رقمٌ ينتظر رفعه من قائمة الانتظار..!


 

depositphotos_8757402-Numbers-on-blackboard.-Retro-styled-illustration-vector-EPS10.

رقمٌ ينتظر رفعه من قائمة الانتظار..!

أقرر أن أكتب بالحبر لأول مرة كحيلة غبية لتأكيد اغترابي عن كل شيء..وربما لأُثبِت لنفسي أنه لم يعد بإمكاني محو أي كلمة إذا حصل و لم أستطع أن أتصالح مع وجودها..! ربما أحاول أن أتكيّف مع حقيقة أن عُمر( المحو) قد انتهى وأن عُمر (الشطب) هو الآتي..وشطب كلمة أو جملة مكتوبة بالحبر يقتضي تقبّل تشويه بياض الورق المٌدّعَى واستنزاف أعمار من الحِبر الشحيح في هذا الزمن.

أنظر إلى خطي المشوّه بذلك الحبر الأبله لأتذكر أن ملامحي تُشبِه هذه المنحنيات المنعدِمة الملامح- خطي..! شيءٌ واحد يُضحِكني ويٌشعِرني بالنصر تفكيري أن مَن سيُحاول مباغتة ملامحي والقبض على إعاقتي على سطح هذا الورق لن يظفر بما يُريد.

أشياء كثيرة كانت في ذهني قبل أن أُمسِك بزمام هذا القلم.. لكن قلمي– كعادته- يغدر بي ويأخذني إلى أماكن لم أرد ولم أقرر الوصول إليها، لأني وببساطة شديدة لستٌ بحاجة إلى ذلك.. هذا القلم دائماً يُماطِل أفكاري ويُسوفّها ويؤجلها إلى السطر الآتي، وكل سطر بدوره يقذف بها إلى السطر التالي.. ربما انتقلت عدوايّ إليه- أنا التي أصبحتٌ أؤجل كل شيء حتى وجدتٌ نفسي ( كائناً مؤجلاً)، كذلك الذي سمّى به ( فهد العتيق) روايته التي أؤجل كل يوم الحصول عليها وقراءتها، وعلق اسمها في ذاكرتي دون أن أدري.

لكني وبعد التغيرات الأخيرة التي طرأت على حياتي لم أعد كائناً بأي شكلٍ من الأشكال..أصبحتٌ أدرك تماماً أن الوجود يتعامل معي كما أتعامل أنا مع قوافل الأرقام التي تعبر عليها عيني وقلمي..الآن أٌدرك أني ما عدتٌ ألمس القلم إلا لبصق تلك الأرقام على الأوراق الصماء..أبصق الكثير مني دون أن أدري-وربما أدري-كلما بصقتٌ المزيد من تلك الأرقام على أعتاب الأكفان-الأوراق-البيضاء..وحالما أفرح بانتهائي من تشييع فوجٍ جديد تٌباغتني أفواجٌ جديدة أكثر بؤساً.

الأرقام تُعلمك أن تكون حيادياً مع كل شيء حتى نفسك..تُعلمك أن تنظر إلى المرآة لتكتشف أن عينيك– بالرغم من استداراتهما- إلا أنهما تذبلان كبرعمٍ عتيق لتتحول كل واحدة منهما إلى رقم (صِفر) بدلاً من (خمسة)..! تتأمل ملامحك أكثر لتجد أن أنفك فَقَدَ كبرياء استقامته، تتفاجأ أنه انكسر بخجل وتحوّل من رقم (واحد) إلى (ثمانية) منحنٍ..! حتى تلك المرآة البلهاء يٌذكّرك بياضها المحايد بشاشة كومبيوترك التي تنتظر تحميل البرامج عليها لتُكمِل لعبك بالأرقام ولعبها بك.

ألمح وجهي في انعكاس الشاشة أمامي، أحاول لملمة بعض تفاصيل ملامحي المائعة، لكن سواد الشاشة الممتلئة بالأرقام يُباغتني قبل أن أفعل ويُذكّرني أن التفاصيل الصغيرة لا مكان لها في عالم الأرقام،  فطالما كان الرقم صحيحاً فلن يكون مهما لماذا انحنى أو كيف طُبِع أو الى أي مدى فَقَد ملامحه أو كبرياءه.

((حسناً سنؤجل النظر إليكِ الآن, فلنحارب الأرقام ونُقرر القضاء عليها قبل أن تقضي علينا..)).

مع الأرقام يجب أن تتحرّك سريعاً وبأكثر قدرة على التركيز، فالاختلافات بين الأرقام صغيرة لكنها فارقة..يجب أن تُردد على نفسك وأنتَ تتعامل مع الأرقام- خاصة إذا كنتَ من مرتكبي حماقات الأدب:((يجب أن تعلمي أن ميوعة اللغة ومراوغة ألفاظها لن تُفيدكِ هنا. يجب أن تتعلمي القطعية والجزم الذي لا تستخدمينهما في كتابتكِ ولا تؤمنين بإمكانية وجودهما في هذا الكون..!))

هنا لا مكان لنسيان نقطة لأن كل نقطة تعني صِفراً، وحتماً لن يسمح ذكاء أياً كان بتخمين أي رقم- خاصةً الأصفار.. فالصفر يجعل المئة ألفاً والألف مئة ألف, وتحمّل مسؤولية المئة تختلف- إلى حد الرعب- عن تحمّل مسؤولية المئة ألف.. حتى الشطب في عالم الأرقام عملية مكلّفة ومعقّدة، فشطب إشارة الناقص مثلاً وتحويلها إلى زائد لا تكون بجرّة قلم..لأن كل جرّة قلم تستلزم بذل الكثير والكثير من محاولات تبرير الخطأ أو مداراته، فكل شيء هنا محسوبٌ عليك حتى ملامحك التي لابد أن تتغّير مع اشتعالك بمثل هذه الأفكار، فتلتقطها عدسة الكاميرا المسلّطة على مكتبك بكل نهم.

الأرقام أيضاً تُعلمك أن تتجرّد من انفعالاتك، تجعلك تلمس الأشياء دون أن تشعر حيالها شيئاً، وتشمّ الروائح دون أن تُبقي لها أثراً فيك..إنها تجعلك تلتقط الأشياء بعينيك دون أن يكون لك أثرٌ عليها ودون أن يكون لها أثرٌ عليك..ألا تكون مؤثِراً وألا تكون مؤثرَاً عليه، هذا ما لابدّ أن تصل إليه لتكون أكثر حِرَفية..لابدّ أن تصل إلى خلق الأثر دون أن تؤثِر- أو على الأقل دون أن تبدو كذلك.. هكذا تمرّ من أمامك آلاف الرؤوس والوجوه دون أن تتذكّر إلا أن ذلك الوجه الذي لابدّ أنه كان خاليا من الملامح كان الرقم واحد الذي قابلته وتعاملت معه في ذلك اليوم.. وأن ذلك الرأس الفارغ لم تتعامل معه لأن القوانين لا تسمح لك بتضييع بضعٌ من وقتك الثمين مع رقم-شخص لم يُرِد له قدر الخروج من قائمة الأصفار الواقفة على يسار الأرقام الفجّة.

حتى الأسماء في نطاق العمل البنكي لابدّ أن ترتبط بالأرقام بشكلٍ أو بآخر..الاسم هنا لا يحمل معنى مجرداً من إيحاء أو تصوّر رقمي..فاسم العميلة (فلانة) مرتبط برقم معاملتها على (السيستم)-النظام.. واسم (فلانة) يُلازِمه بداية أو نهاية رقم حسابها..واسم الزميل ( فلان) مرتبِط برقم تحويلته على الهاتف، والزميلة ( فلانة) برمز مركزها أو اسمها الوظيفي..هكذا تعمل الحروف لخدمة النظام الرقمي الذي يُسيّر كل شيء في هذا العالم.

قد يصعب عليك في البداية التعامل مع برودة الأرقام وحياديتها، خاصةً إذا كنتَ ممن يعشقون التخلّق على أيدي الحروف المحترِقة نبضاً..قد تُصَاب بالكثير من الارتباك وأنتَ تكتشف أنه لابد لك ألا تتوقف أمام الأسماء وتتخيّل الذوات والأرواح التي تقف خلفها، أو أن تتفحّص ذلك الرقم وتجد ما يربطك به أو بصاحبه ليكون جزءاً منك ومن ذاكرتك إذا حصل ومررتَ به مرةً أخرى..لذلك يجب أن تُذكّر نفسَك دوماً أنه يجب ألا تسمح لأي شيء أو أي رقم أن يترك أثراً في نفسك أو بصمةً على ذاكرتك..يجب أن تتناسى أو ربما أن تُحاول عدم إدراك شعورك بالشفقة نحو ذلك الوجه الساذج البائس..لابد لك أن تتجاهل الانطباعات الشخصية وتتعوّد على اللا انتماء.

فهنا يجب أن تكون مقطوع الروابط غير معترف إلا بقانون الزمن الذي يحكم كل شيء هنا.. فكل دقيقة وكل ثانية لها معناً ودور محدد لا يستطيع غيرها أن تقوم به أو حتى أن تحلّ مقامها.. خمس دقائق قبل الثامنة والنصف صباحاً تعني رشفة شاي كاملة قبل تكالب العميلات.. خمس دقائق بعد الثانية عشرة ظهراً تعني أخذ أول نَفَس بعيداً عن تكبيل الجاكيت الأسود، وتحريك القدمين خارج الحذاء الأسود ذي الكعب العالي.. تعني نفث أول سيجارة وإسدال ستار أقنعة الماكياج وتسريحة الشعر وقذفها خارج مدى الدخان الملتف إلى نهاية سقف الحمام القصير..خمس دقائق أخرى قبل الدوام الثاني، تعني غفوة لذيذة- كونها قصيرة- على الكنبة الخضراء الجِلدِية، كفيلةٌ بإعادة التوازن لذلك الجهاز العصبي المتعَب..ثانية واحدة قبل الثامنة صباحاً كافية لأن تتذكّر أنك لن تستطيع أن تنسى الثواني الفاصلة بين يومك الفائت ويومك الجديد، لأنها ستجعلك على يقين أنه لا فرق بين البداية والنهاية..! ستتذكّر أن المراحل الانتقالية دائماً ما تَشٌدٌك بشكلٍ مخيف بالرغم أنها تُشعِرُك بالغربة..هنا قد تُدرِك أن مثل هذه الفكرة لن يسمح لها قلمك بالمرور بك دون استجوابها ومناقشتها، تماماً كما لن تتركك تلك العدسة اللعينة- الكاميرا- دون أن تلتقط كل انفعالات وجهك واستجابات جسدك.

الأوراق تلحّ عليّ أن أتوقف عن لملمة كل التفاصيل التي لابدّ أن تُسقَط لكي أستطيع إكمال لُهاثي المتواصِل، و كلماتها الصارمة الحٌزن ترنّ في أذني:((يجب أن نستنفذّ جميع المحاولات لنُعطيها على الأقل المبلغ الأدنى للسُلف النقدية الإضافية، وإن كانت لم تستوفِ الشرط الأساسي : إكمال سنة على القرض الأول)). استدركت ونظرة عينيها كسيفٍ يستلّ عتمة الليل:” تُريد أن تُكمِل علاج ابنها، يحتاج إجراء عملية جراحية، يجب أن نُساعدِها”.

دوخّتني كلماتها رئيستي، لقد جعلتني أسترجع كمية معاملات القروض التي مررتُها على جهاز كومبيوتري ولم أتوقف كثيراُ أمام التفاصيل أو الدواعي الحياتية والاجتماعية التي اقتضت تكدّسها على مكتبي. هل جرّتني الأرقام خلف لهاثها المميت الذي لا ينتهي؟! بتُ أتساءل إن كان من الأفضل أنني لم أتعامل معها سوى على أنها أرقام معاملات لابدّ أن أمررها دون أخطاء، لا في إدخال المعلومات ولا في تعبئة النماذج الورقية ؟! هل كنتٌ سأكون أكثر إنسانية لو كنتٌ عرضتٌ أمام عيني كل الافتراضات والتفاصيل التي قد تكون عبرت بتلك المخلوقة قبل أن تلجأ لي باعتباري واجهة البنك لتطلب سُلفة نقدية؟!  لربما كانت ستكون مجرد حيلة غبية ومحاولة تبرئة للضمير، لأني لا ولن أستطيع أن أمرّر أي معاملة لا يُوافق عليها النظام ( السيستم) أمامي..!

هذه المرة الرابعة التي أحاول فيها التلاعب بالأرقام والتحايل على قواعد السيستم اللعين لآخذ موافقة على تمرير معاملتها.. في انتظار تحميل النتيجة النهائية بعد قصقصة الكثير من الأطراف غير الضرورية، بدت اللحظات أطول مما تكون دوما في هذا المكان وأثقل من أي عتمة..(المعاملة مرفوضة)..تباً لهذا (السيستم) اللعين..! أنظر لاسم العميلة لأول مرة ( فائزة…).. بأي قَدّرٍ تراكِ فزتِ يا فائزة؟! بماذا كافأكِ القدر أيتها البائسة؟!

أتتني فائزة بعد ذلك بعدة أشهر، بالطبع لم أعرفها إلا بعد أن قرأتُ اسمها..لم يكن لديها الكثير من الحوائج لتقضيها في البنك..كان لديّ رغبة لا إرادية في إطالة الحديث معها..ربما كنتُ أحاول الاعتذار منها بطريقةٍ أو بأخرى.. كانت تتحدث بهدوءٍ طاغٍ وتبتسم ابتسامات بسيطة وصادقة.. قتلتني قدرتها على الابتسام بذلك الشكل..ربما كانت لديّ رغبة لاشعورية في أن تتحدث عن أحوالها، أو أن تذكر ابنها المريض المجهول المصير..لكني حالما فكرتُ في الخناجر التي ستطعنني في ضميري عندما أعلم بعض التفاصيل التي سأسترسل لأدع خيالي ينسج الجزء الأبشع منها، تراجعتُ وتشبثتٌ بموقف الجهل ومحاولة إنهاء الحديث بأقل ضرر ممكن.

أستعدّ لتوديع فائزة وأنا أردد في نفسي: كم أودّ أن تبقي قليلاً أنتِ وهذه الضحكة الصافية، وكم أخاف أن تبقي يا فائزة..! قبل أن ترحل يدقّ الهاتف، أردّ بشكلٍ تلقائي، إنه أحد المديرين يسأل عن اسم الموظفة التي تستخدم الجهاز الكومبيوتر رقم (واحد)..أعرّف باسمي ومركزي الوظيفي، يُحاول أن يستعجلني وكأنه يقول ضِمنياً: غير مهم..!يُمِسِك بزمام الحديث حالما أنتهي وسط ذهولي، يسأل وكأنه يُعطيني لُب السؤال مرةً أخرى: رقمك الوظيفي لو سمحتِ!

وضعتُ السماعة دون أن أُحرّك عينيّ من على عينيّ (فائزة)، ربما لاحظت ارتباكي وتغيّر ملامحي.. لم تشأ أن تُحرِجني وبادرت بالقول أنها راحلة، ولم تنسَ أن تترك زهرة دعوة صادقة: “فَليُساعِدكم الله..!” لكني لا أدري إن كانت (فائزة) فَهِمَت حينما أخبرتُها صامتةً أنني مثلها:رقمٌ ينتظر رفعه من قائمة الانتظار.

هبة البيتي 

أوكلاهوما سيتي

نُشرت القصة في قسم “دفاتر الإبداع” بجريدة عكاظ:

( الجمعة 23/01/1429هـ ) 01/ فبراير/2008  العدد : 2420
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s