اختلاس نظرة من بين فرجة أصابع…


مضحكٌ بقدرما هو مدهش أن ترى الحياة من خلال أصابع يد..
أول ما تعرّت الحياة أمامي..تعرّت في شكل يد أمي..
ونبض الأيدي والصور هو ما كان يدقّ في رأسي…وليس الروائح أوالأصوات..!
وأول ما قرأتُه كان الأكف والأصابع …هكذا تلخصّت الحياة بالنسبة لي..
وهكذا تبدو لي الحياة اليوم…يدٌ عملاقة مهيبة كيد جدي عندما تقبض على جرّة ماء…
وهكذا يبدو البشر أمامي..أظافرٌ حادة مسنونة لتلك اليد…
وكأن صورة اليد التي رأيتُها أول ما رأيت طُبعَت على شاشة عيني فراحت تقذف كل صورةٍ سواها بعيداً..
وكأنها حين هبطت على عيني احتلتها كجبلٍ شامخ يحتل وادٍ..فأصبحت أي صورةٍ سواها تتسرّب من خلال عدسة عيني..كدقيقٍ في غربال…!

****
من علاقتي بيد أمي وشبقي بها تشكلّت طبيعة علاقتي مع جميع الموجودات…و هكذا أصبحتُ أتفرّس الأيدي قبل الأعين..
كنتُ أرى كل شيء على شكل يد.. كنتُ أرى السفينة يداً كبيرة، و كنتُ أرى أشرعتها أصابع طويلة بعض الشيء..حتى قدمي كنتُ أعتقد أنها يدٌ زاحفة…!
أي يدٍ كانت تجد طريقها إليّ وتنساب بين أصابعي كنتُ أتشبث بها..وأي يدٍ تضل طريق الوصول كنتُ أضعها في قائمتي السوداء، وأحياناً أتجاهل وجودها من الأساس…بهذه البساطة كنتُ أتعامل مع الموجودات والبشر، وبهذه السذاجة كنتُ أميّز بين الصديق والعدو…
حين كبرتُ قليلاً..علمتني أمي أن أُقلّم أظافري كلما حاولت رؤوسها التلصص على الكون…
كنتُ أقول لأمي أن أيدي النساء طويلات الأظافر تبدو جميلة وفاتنة.. لكنها أفهمتني أن الأظافر الطويلة توسّخ الطعام وتُجمّع الجراثيم…
صدقتُ أمي وكذّبتُ عيني..وظللتُ أنظر إلى صاحبات الأظافر الطويلة على أنهن قذرات..
وعندمادخلتُ المدرسة..رفضتُ أن أُسلّم على صديقتي عندما رأيتُ أظافرها الطويلة..صممت صديقتي أن أُمسك يديها لتُقنعني بأنها نظيفة..
كانت يداها نظيفة عندما تفحصّتُها..وناعمة أيضاً..!
ومن بعدها، لم أعد أصدّق أمي كثيراً ..؟!

****

غِرتُ من صديقتي عندما راحت تُسمعني قصائد غزلٍ كتبها لها حبيبها..
قلتُ لنفسي: يبدو أن أظافرها الطويلة هي السبب..فهي ليست أجمل مني…!
أصبحتُ أُربيّ أظافري مثلها..ولكن ولا قصيدة لم تصلني..؟!
غضبت مني أمي..قالت لي أن الأشخاص الذين يُطيلون أظافرهم أشخاصٌ زائفون، وأنهم يمتلأون فراغاً بقدر المسافة بين أظافرهم وأطراف أصابعهم…
لم استمع لكلماتها التي كانت تصلني مبعثرة بَعثرة نفحات النسيم في ليلةٍ صيفية..
واعتقدتُ أنها ليست دقيقة في استخدام الألفاظ ليس إلا، فالجمال بالنسبة لها (زيف) والإغراء (فراغ)..
فقلتُ: لا بأس إن كان كذلك…
بتُ أُطيل أظافري أكثر في انتظار القصيدة التي تأخرت أكثر مما ينبغي..
أما صديقتي..فقد ألقت علي قصيدة غزلٍ في حبيبها ذي الأظافرالطويلة..!
وتعجبّتُ عندما عرفتُ لأول مرة أن الرجال يُطيلون أظافرهم أيضاً..
وحتى لا يطول انتظاري لقصيدة الحبيب الذي لم يأتِ..رحتُ أكتب له القصائدفي انتظار أن يأتِ..
من هنا وُلدت فكرة الكتابة في رأسي، ومن هنا تسربّت الكلمات إلى شراييني…!
وفي مرة..كنتُ أٌناول أمي شيئاً فجُرِحَت أمي بأظافري الطويلة…نزفت دماً..وبكيتُ دماً..
يومها عرفتُ لماذا تكره أمي الأظافرالطويلة…فقررتُ أن أعود وأقٌُلمّها كما كنتُ أفعل في السابق…
صديقاتي زِدنَ…وزادت الأيادي المغرية التي تتراقص أمام عيني..فوجدتُ نفسي أُخبّىء أصابعي في باطن أكفافي..
تراكمت حكايا الحب على سطح أذني، وتكومّت قصائدي في انتظارالحبيب المجهول..
لم أعِ تماماً لماذا تداخلت أيدينا أنا وصديقاتي ولماذا تشابكت أصابعنا، دونما نوايا مسبقة أو حتى أسبابٍ واضحة..!
ولا أعرف كيف وثبت الدماء إلى وجوهنا…دماءٌ كثيرة انهمرت..وأيادٍ كثيرة جَرحت وجُرِحت…
وحدي لم أجرح أحداً..لأني وعدتُ أمي بألا أُطيل أظافري حتى لا أؤذي أي أحد..
ولأني أخاف الجراح والدماء…أصبحتُ لا أقترب كثيراً من صديقاتي..!

****

كبرتُ أكثر…وفي كل مرةٍ حاولتُ فيها أن أُثبت أن ليس كل الأصابع جارحة..كنتُ أُجرَح..
بشكلٍ تلقائي وجدتُ نفسي أبتعد عن التجمعات البشرية، وعن الأيادي المتقاربة…دون أن أشغل نفسي بافتراض حسن النية أو حتى سوءها…!
وجدتُني أقتفي آثار السفر وأشّم رائحة الغرباء…كالكلاب البوليسية..!
أتحدث إليهم وأُلقي عليهم قصائد صامتة…وأمضي..
أخاف أن يمّد أحدهم يده لي..فأهرب منهم..وأركض إلى أشباحهم…؟!
أتأمل أصابعهم أكثر ما أتأمل..فأصابعهم تُشعرني بأنهم حقيقيون وأنهم قابلون للجَرح ..والتجريح..!
وعندما أقع في غواية سنارات العيون السرية..ألجأ إلى أصابعهم وأمدّها حواجز غير قابلة للاختراق تحول بين عيني وعيونهم…وأتذكّر الأظافر الجارحة فأهرب من جديد…؟!

****
الغرباء يمشون على البحار ولا يقفون إلا على شواطىء العيون الوحيدة…
يرحلون صامتين مثلما يأتون صامتين…ويوفروّن علينا وِحدةالكلام وثرثرة كلمات الوداع…
مغريين بسياج المستحيل الذي يحفّ أعينهم..وبنهبهم تفاحة الخطيئة من حقل الصدفة…!
الغرباء لا يرتوون من قصص العشق المفبركة…ولا يروي إلا مَن لا يرتوي..!
يلتفتون إلى القدر ومواعيده السريةّ غيرالمدوّنة…يلوحون في نهاية الأفق كطير نورس يرعى رَحِم البحر بجناحيه المفتولين…!
يتأرجحون ما بين غربة الليل وضجر النهار..ما بين هذيان القمر وضراوة الشمس.. يبحثون عن عيونٍ تسندهم وأيادٍ تتلقفّهم…
مراكبهم ذكرياتٌ مدهشة غريبة..وأشرعتهم خيالات نساءٍ دافئات كأحضان أمهاتهم..وهاربات كأذيال الملائكة..!

****

بحّارٌ شاب ويائس يرمي بشباكه الجلودة ليتلقّفني وليُودعَني مركبه الوحيد…
يصمت البحّار اليائس..ويدعوني صمته للإبحار معه إلى لا مكان..وكل مكان…
يعترف- صمتاً- بأنه بلا أم وبلا وطن…بلا بيتٍ تنتظره أزهاره، وبلا أراضٍ وهمية يشتعل شوقاً لإغراق قناديلها بأمواج مركبه…
وأكاد أن أعترف له بأني كنتُ أحلم ببحّارٍ غريب مثلي…بحّار لا يعرف وطناً سوى عينيي، ولايسافر إلا إليّ…
أكاد أن أعترف له بأني انتظرتُه كثيراً..وطويلاً..وأني كتبتُ له قصائد كثيرة..أني فتشّتُ عنه بين أرصفة المشردّين ومتسوليّ الحنان…وبين الرمال…
أكاد أن أقول له أني أحببتُه..قبل أن أُحبه…وقبل أن يحبنَي…!
أكاد أن أبوح أو أن أدمع دَمع البوح…ولكن أصابع البحّار تُباغتني…تسحب البساط من تحتي..وتصعقني..!
البحّار لا يزال صامتاً..لكنه يُريدني أن أُمسك بيده وأرحل معه…
أتذّكر الأظافر والجراح..وأنظر إلى أصابعه طويلاً…
يده بعيدة لكنها لا تبدو جارحة..أُمعن النظر أكثر، فأجدها مجروحة يده…!
أتذكّر أظافري الطويلة التي أتسلّح بها منذ أصبحتُ لا أصدّق أمي في شيء، ومنذ عرفتُ أنه لكي لا تكون مجروحاً يجب أن تكون جارحاً..؟! وللحظة أخاف أن أَجرح يد البحّار اليائس…
البحّار ماداً يده..وأنا أتساءل : هل هو ممن تنبت أظافرهم تحت جلدهم فيطلقونها عندما يظفرون بيدٍ يجرحونها؟!
ماذا لو ثقبت أظافره شريط السحاب وحلم الأفق؟!
ماذا لو انثقب المركب وانثقب البحر؟! فانثقب حلم السفر إلى أرض الخلاص ؟!
ماذا لو انثقبت عيناه وانثقبت معها حِمم الشمس الذهبية؟!
البحّار لا زال ماداً يده..وأنا لا أزال أفكّر : ماذا عن العواصف الرملية ؟! ماذا عن الأنواء البحرية ؟! ماذا عن الريح ؟! ماذا عن المطر؟! عن البشر؟! والأظافر؟!
إنذارٌ أخير وحاد قبل رحيل مركب البحّار…وأنا لا أزال أرى أظافر متعددة الأحجام والأشكال تتكاثر أمامي، وأيادٍ متداخلة وأصابع متشابكة..كل شيء يتحوّل أمامي إلى أصابع وأظافر..في انتظار انثقاب الأشياء وانهمارالدماء…؟!
يضجر المركب مني فيرحل آخذاً معه البحّار..والأفق..!
يرمي البحّار بشبكته ليلتقطني..أتحاشى شبكته وأظلّ على الشاطىء الشاحب المتهدّج الأنفاس..!
و أجدُني أصرخ  للبحّار بإصرارٍ غريب : نسيتَ أن تُلقي علي قصيدةً صامتة…؟!

****
بعد أن يرحل المركب.. أنظر إلى نفسي فأجدُني ظفراً كبيراً مسنوناً…
ظفراً متحفزاً كخنجر..منتصباً كالموت في نهاية طرقاتنا..!
أصبحتُ ظفراً محايداً لا يهمه إن كسرته الريح أو إن انغرز في أحشائه ظفرٌ آخر…؟!
كيف نعرف مَن الجارح ومَن المجروح ,إذا كانت المسافة تُطبِق على أنفاس الأصابع، والأظافر تنغرز في أجساد أصحابها وتُطبِق على أنفاسهم فتجعلهم ينزفون من الداخل؟!
هل الأظافر تُدافع عن أصحابها أم أنها تهجم عليهم من الداخل؟! مَن يُدافع عن مَن  ومَن يُهاجم مَن؟!
وكيف نُحدّد حجم جراحنا إذا كنا كلما جمعناها وألقيناها في سفر البحر انبثقت من أحشاء البحر أظافرٌ جديدة تتنفّس فيها وتتكاثر كالذباب… فتهبنا جراحاً جديدة…!
كيف نُحدّد أنساب دمائنا وجميع الأظافر تُعاشر بعضها والدماء تختلط ببعضها..؟!
وإذا كان الجرح واحداً فما الفرق إذا اختلفت هويته أو تعددّت أسماؤه؟! وإذا كان الجارحون مجروحون أيضاً فما الفرق إن كنا جارحون أو مجروحون؟!
وإذا أصبحت الدماء رخيصة ومهدَرة كالماء، فهل سيكون هناك فارقٌ بينهما..؟!

****
الآن وبعد أن كبرنا..تحوّلت لهفة الأفق ودهشة السفر إلى خوفٍ من ظلال المسافة…
واغترابنا بعد أن كان حدثاً مدهشاً ومادةً خصبة لقصيدةٍحزينة…أصبح هاجساً..أصبح كابوساً..
والعيون الوحيدة أصبحت تُفزعنا لأنها تذكّرنا بنا وتُعرّينا أمامنا…حيث يجب ألا نتعرّى..!
صرنا نخاف أن تلتهم الريح أجسادنا عندما تحاول أن تنفض عنا أغبرة الماضي..
لم نعد نبحث عن أيادٍ غريبة بعيدة لا تصل إلينا..وأصبحنا نبحث عن أي يدٍ قريبة نستند عليها..!
فاليوم..الخوف كل الخوف أن يضبطنا الموت على أسرتّنا متلبسّين بالوحدة ..وبالشيخوخة…!
واليوم أُناجي أمي وأقول لها:
ذكريني يا أمي بيديكِ…دعي يديكِ تتناسل في المدى فتملأ عيني من جديد..واجعليني أنسى الأظافر والجراح.. فربما أستطيع اللحاق بمركب البحّار..
أو علميني كيف أٌُقلّم نفسي لأُصبح إصبعاً غضاً أخضرا..
لأعود تلك الطفلة التي تمشي حافية تهزّ رَحِم الأرض بقدميها، دون أن تفكّر بالأشواك والزجاج الذي قد ينغرز فيهما..وتصرّ ألا تتعلم من رؤية الأشواك لِتواصل الرقص والارتعاش على نبض الأرض…؟!

يوم الثلاثاء 13/5/2003

المدينة المنورة

Advertisements

One thought on “اختلاس نظرة من بين فرجة أصابع…

  1. التنبيهات: الغرباء | hebaalbeity

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s