اعترافٌ مسبَق التأجيل…!



اعترافٌ مسبَق التأجيل…!

سأقرر أن أحبك الليلة… قبل أن أراك..وقبل أن أختارك..

سأحبك الليلة بكل ما أملك من أنفاسٍ مخدوشة،  وبكل ما أحمل من أوجاعٍ محتقنة..

سأحبك دون أن أعرفك تماماً..ودون أن أدعك تعرفني تماماً..

لكني سأتحايل على حقيقتك الكامنة وراء أغوارك..وحينها سأعرفك..نعم سأعرفك..

من نظرةٍ واحدة سأستشفك وأعرفك..دون أن أعرفك، ودون أن تعرفني..!

الليلة سأقول لك كلاماً كثيرا..فمنذ زمنٍ طويل لم أمارس البصاق كلاماً مع غرباءٍ ماضين وراء الغيم..

منذ زمنٍ طويل لم أتقيأ أوجاعي على شخصٍ أعرف أن سفر الريح سيبتلعه ويبتلعها معه..

الليلة سأقول لك كلاما ستسمع بعضه ولن تسمع معظمه..كلاماً لم تسمع مثله من قبلي ولن تسمع ما يشبهه من بعدي..

إن سألتَني من أين أتيتك.. سأقول: آتيةٌ أنا من حزن الزمان..آتيةٌ من رحِم الريح ومن ضجر الكون..

إن حددتَ سؤالك أكثر وقلتَ لي: من أي بلدٍ أتيتِ ؟ سأقول : من بلدٍ اسمه النسيان آتية، ومن مدينةٍ اسمها الغربة..

إن حاولتَ إحراجي وقلتَ لي: لماذا أتيتِ ؟ سأرد بكل بساطة: أتيتُ لأني قررتُ أن آتي، ولأني قررتُ أن أحبك..دون أن أعرفك..

وإن سألتَني: لماذا لا تريدين أن تعرفيني؟ سأقول : لأني قد لا أحبك إن عرفتك، وقد لا أعرفك إن أحببتك..فالوجوه لا تعرف نفسها عندما تلتصق بالمرآة، والرسام لا يستطيع رؤية لوحته وهو يرسمها..

وسأذكرّك بما يقوله منصور الرحباني: “من بعيد نرى الأشياء أجمل، كل شيء يتحول عندما نصير قريبين”..

قد تسألني : ماذا تريدين إذن ؟ وقد أجيبك : أريد أن أحبك دون أن تحبَني..فأنا جائعةٌ إلى وهج حلم..جائعةٌ إلى وهم حب..إلى قطرة شوق..أريد أن أحبك لليلةٍ أرحل بعدها بعيداً عنك..

وقد تكون من الأشخاص الذين يضيّعون الوقت في الثرثرة فتسألني: لماذا اخترتِني أنا ؟

لا لن أقول لك أن الريح هي التي أتت بك..فلم تعد الريح مركباً يحمل لنا أحلاماً في شبكات أعينٍ بشرية..

سأقول لك أني لم أخترك، وإنما اختارك قراري بحبك الليلة..

اختارك قراري وإصراري على الوقوف على أول عينين ليست وقحتين..عينان مغريتان بالمغامرة والاقتحام..

عينان فيهما شيءٌ من الينابيع وشيءٌ من الحرائق، شيءٌ من الطين وشيءٌ من الغيم..

سأقول لك أني أريد أن أنساني فيك الليلة..أريد أن أُبحر إليك وأضيّع نفسي على ضفافك..

أريد أن أستنفذ كل طاقاتي على مشارف تناقضاتك..أريد أن أروّض أوجاعي بأوجاعك الخامدة تحت أرض عينيك..

أريدك أن تستنزف ذاتي لتمتص بها أحزانك الخائفة..أريد أن أصل إلى نهاية الليل خائرة متعبة، فلا يُململني على فِراشي خوف ولا يرتعش فيّ بكاء طفل..

لا لا أريد أن أحبك الليلة..ولكني أريد أن أحبٌني حين أسكب عليك أمومتي وحناني الفائضين..

فلا تنخدع الليلة بعطائي، ولا تتوهم أني أحبك فعلا..لا تعتقد أني وإن كنتٌ أحبك لليلةٍ وحيدة إلا أني أحبك بكل ما أملك..

ولا تفكر أنها قد تكون آخر ليلةٍ في العمر..ولا تتفلسف وتقول أن بعض الليالي هي عمرٌ كامل، وقد تكون العمر كله..

يا مَن قررتُ أن أحبه الليلة..قبل أن أراه.. ودون أن أختاره..

لا تنظر إلى عينيي الليلة..إياك أن تقترب منهما..فعيناي كبنايةٍ عتيقة تنتظر أول يدٍ تلمسهما لتمارس الانكسار، ولتتشبث بحبلٍ يصارع الانهيار..

أما أنا فسأنظر إلى عينيك طويلا..وسأرمّم بنايتك وسأصقل خدوشاتك وألمّع واجهاتك..

وإن شعرتَ بالامتنان لي بعد ذلك وحاولتَ مسايرتي بقولك: كيف تريدينَني أن أكون الليلة؟

سأقول: أريدك صاخباً بالمتناقضات والمعاني خلف رداء صمتك..

أريدك حائراً وحزيناً..فالحيرة ملتقى الغرباء، والحزن أرضٌ للكلمات..

أريدك وحيداً الليلة…لأكون عالمك كله..!

أريدك يتيماً لأكون أمك وتكون أمي..فلا أحنّ من رجلٍ يتيم يحاول تعويض أمه بلعب دورها وممارسة أمومته على امرأة..!

أريدك مجنوناً غير حافلٍ بالغد الذي لن تسكن فيه عينيي..

أريدك طفلاً يأبى إلا أن يفجر نفسه في مجهول كل لحظة، كما تفجر الألعاب النارية نفسها في المدى..

لكني لن أدعك تنتظر سؤالي: كيف تريدَني أن أكون الليلة؟! لأني لن أكون إلا ما قررتُ أن أكونه الليلة..

سأكون نجمةً تٌسقيك رحيق ذاتها وتداعب جفنيك بسحرها..لكن النجمة ستبقى ساكنةً وهم السماء، بعيدةً عن الأيدي، حانيةً على جميع القلوب ورانيةً إلى جميع العيون..

سأكون كقوس قزح، عيداً لأيامك وغطاءاً لأحزانك..لكني سأرحل مع إطلالة أول خيطٍ للشمس..

سأبقى لك حلم فجرٍ دافىء، محمّلاً بالشوق ومزيّناً بالغيم..

سأكون لك ينبوع ماءٍ تحمله في جيب ذاكرتك وتشرب منه كلما ظمئت..

يا مَن قررتُ أن أحبه الليلة..لا تبدأ بذرف الدمع الحنون..فعيناي لا تمارس الانكسار إلا تحت أقدام الدمع..

يا مَن قررتُ أن أحبه الليلة..لا لم أقرر أن أحبك لليلة..إنما قررتُ أن أختصر العمر في ليلة، وأن أجعل حبك مكثفاً لأكرّره مع وحدتي كل ليلة..

يا مَن قررتُ أن أحبه الليلة ..لقد بدأتُ في التناغم مع دور الحبيبة، وبدأتَ إتقان دور الحبيب..

يا مَن قررت أن أحبه الليلة..ارحل..ارحل بعيدا قبل أن أحبك كل ليلة، وقبل أن أخاف أن ترحل مع رحيل كل شمس..

وقبل أن تذهب سأخبرك أني كذبتٌ عندما قلت أني أتيتُ لأني قررت أن آتي..فأنا لم آتِ إلا لأني قررت أن أرحل عني ولا أعود إليّ..

سأخبرك أني لم اقل أني راحلة إلا لتعاندَ الموج وتركب الريح، وتٌبقيني لديك..مزروعة كراية في غربة أوجاعك..

لا تحاول الهرب مني الآن، فخيالي لا يهوى مطاردة إلا مَن يهرب منه..

لا تهرب مني لأني سأحتضن حزنك كلما ضمّ الغيم عينيك..لأني سأمتطي جرحك كلما رافقت دربك الريح..ولأني سأُبحر إليك كلما ناديتَ أفق المدى..

يا مَن قررتُ أن أحبه الليلة..قلتُ( لا تحبَني) لكي لا تلتفتَ إلى ال( لا) وتحبَني..وقلتٌ ( الليلة) لتتجاهل تحديد أل التعريف وتحبَني كل ليلة..!

يا مَن كنتَ ضحية قراري بحبك الليلة..أعترف أني أردتُ أن أصبح حكايةً لا تنساها، وأني أردتُ أن أٌحيلك إلى كلماتٍ على أوراقي الفارغة..

يا ضحية حبي الليلة وكل ليلة..أعترف : كنتٌ أريد أن أحبك وتحبَني الليلة..وكل ليلة..!

المدينة المنورة

الأربعاء 6/8/2003

Advertisements

One thought on “اعترافٌ مسبَق التأجيل…!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s