رسائل ضاعت فصارت قصصاً..


 

166300_10150170790379199_741573_n

رسائل ضاعت فصارت قصصاً..

قصتي مع الرسائل هي قصةٌ أزلية..

منذ طفولتي وفكرة الرسائل تستهويني أكثر من القدر الذي كانت تستهويني فيه صناديق الهدايا المغلّفة!

فدائما ما كان اختراق مجهول الورق واكتشاف نواته أكثر جاذبية وسحراً من إزالة أشرطة الهدايا و تعريتها من أغلفتها..

فكل رسالةٍ تُخبىء قصةً داخل ظرفها.. وكل ظرفٍ بريدي يحكي قصة مشوارٍ طويل على أجنحة المسافات و بين سواعد المركبات!

كل جرة حبر وخيط ورق يُغوي بتتبعه إلى جُحر دودة القز التي أطلقته إلى الوجود!

أترقّب كل هذه الدهشة وأطارد المغامرة التي تُسيّج الظروف، فتُغريني هي بصهرها في نسيج واحد-نسيج قصة.. بل نسيج حياة!

فالقصص حيواتٌ وشخوصُ تجاوزوا الواقع وكبروا على الخيال..

القصص حيواتٌ لفظها الواقع فلفظته، وخانها الخيال فخانته، ثم انتقمت منه بإهداء جسدها لبياضٍ مجهول!

بسبب تلك الحيوات المهمّشة وأصوات الشخوص المقهورة، كانت الرسائل – بشكلٍ أو بآخر- تُقرر قرارات مصيرية في حياتي!

***

أول رسالةٍ تلقيتُها في حياتي، كانت قصاصةً صغيرة خُطّ عليها رقم هاتف صديقي في الروضة!

هاتفتُه يومها– ربما بكثير من الخوف وبقليلٍ من ( الشيطنة)، بعد أن بررتُ لأمي عدم رغبتي في الخروج معها ومع إخوتي بأعذار طفولية كانت كفيلة بمدارة رغبتي في خوض مغامرتي الكبيرة ؛ مهاتفته!

لا أتذكر ماذا قلنا وإن كان لدينا ما نقوله في ذلك العُمر!

لكني أتذكر الفرح الذي طار بي لنهبي أول تفاحة (سِر) من حديقة المَلك المسوّرة بالحراس وبالعتمة!

ومع أن تلك القصاصة لم تكن موضوعة في ظرف ولم تكن مكتوبة بصيغة رسالة أو حتى موجّهة إلى شخصٍ بعينه، لكن مجرد لمسها وتحسسها بيديّ كان له نشوة الحصول على مفتاح مغارة (علي بابا)..!

***

من بعد تلك القصاصة، تغيّرت علاقتي بصديقي الوسيم!

فبتلك القصاصة الصغيرة كنا نتشارك سراً بحجم (حياة) و مغامرةً بتحدي (وجود)!

من وقتها، أصبحنا نقضي الفسحة المدرسية معاً دون أن نسمح لأحد أن يُشاركنا فينا!

كنا نمشي في فناء المدرسة وأذرعتنا تُحيط ببعضنا وكأننا أحباب في سن المراهقة!

بعدها، بدأتُ أفقد كثيراً- وربما معظم- صديقاتي في الروضة!

وهكذا اكتشفتُ قبل الأوان، أن الحب في تلك البلدان البائسة هو جريمةٌ يُعاقِب عليها المجتمع قبل القانون!

***

كانت هذه التجربة المبكّرة مع الرسائل لعنةً لم أستطع التخلّص منها لا في الحلم ولا في العِلم!

فقد كنتُ دائماً أنتظر تلك الرسالة من شخصٍ مجهول!

كنتُ أسمع الطالبات يتحدثنَ عن رسائلٍ يتبادلنَها مع الطلاب في المدرسة المقابلة..

كنتُ أرى بعضهن تدسُّنَ قصاصات ورقية داخل عُلب المشروبات الغازية الفارغة وتقذفنَها من السور على فناء مدرسة الأولاد!

لكني كنتُ بالمثالية والسذاجة التي لم تسمح لي بالاعتراف لنفسي بإعجابي بالفكرة وجاذبية تنفيذها، في ذلك الجو المحفوف بالخوف، سواء من إدارة المدرسة أو من الطلاب المولعين بإثارة (الفضائح)- كما كان يُقال لنا!

مع ذلك، لم يكلّ أو يمّل خوفي من الضعف أمام سحر الرسائل القادمة من مجهول!

***

كانت مشاهدة المسلسل الكرتوني (صاحب الظل الطويل) تُعيشّني حالةً من الانغماس اللذيذ!

فقد كنتُ أرى نفسي في (جودي)، التي كانت تتلقّى رسائل من شخصٍ مجهول لا تعرف عنه سوى ظله الطويل الذي يفترش طرقاتها ويُهدهِد بؤسها!

فكانت تلك الحالة التعويضية أشبه بالمصل الذي يُساعدني على مقاومة الانجراف للعب ذلك الدور بشكلٍ فعلي!

لكن فتنتي بالرسائل والقصص المختبئة خلفها كانت تكبر كلما كبُرت..

***

لأنه لم يكن لدينا يوماً صندوقٌ بريدي على باب بيتنا أو حتى في نفس البناية التي كنا نسكن..

لهذا كانت عودة أبي في نهاية الشهر محمّلاً بكل تلك الظروف البريدية أشبه بعودة مهاجرٍ قديم لم يعد ينتظره أي أحد!

كنتُ أنتظر أن يذهب أبي إلى الحمام لكي أهجم على الظروف وأقلّبها بين يديّ كأحجارٍ كريمة نادرة!

كنتُ أتفحّص أسماء المرسلين والمستلمين، وأتخيّل اسمي مكان أسماء العاملات الإندونيسيات، دون آن أنسى أن أرصد فرحتهم وأبي يُخبرهم بوصول رسائل لهم!

علمتُ من أبي أنه يستلم الظروف من صندوق بريده الموجود في مكتب البريد العام..

و كم حسدتُ أخي حينما أعطاه أبي نسخةً من مفتاح الصندوق ليتفقّده بالنيابة عنه في حال انشغاله!

تمنيتُ لو كنتُ صبياً لأتمكّن من الذهاب إلى تلك الغرفة المدججة بالصناديق الحديدية المغلقة والطافحة بالقصص الصامتة التي تًلوّح من وراء المسافات بالسفر !

***

بالرغم أن سُعاة البريد يصلون إلى درجة الأولوهية بالنسبة لي، إلا أن احترامي لموظفي البريد لا يقل عن احترامي لسُعاة البريد!

ففكرة الوجود بذلك القُرب من أصوات الحروف المُكممة بالظروف، ومن عيون القصص الفاتنة المُغمّمة بأختام البريد!

فكرة الحياة وسط أكوام الرسائل كانت بمثابة الحياة في عوالمٍ أسطورية ترتفع فيها قِلاع شِعر وتتدّلى منها عناقيد نجوم و قلائد أوتار!

إنها حياةُ مهيبة وفاتنة تتقمّص روح (العين الإلهية) القادرة على رؤية الصورة الأكبر والأشمل للقصة، القادرة على تجاوز برواز القصة إلى ما وراء القصة!

بالرغم من سِحر جَدْل ضفائر القصة وتسريح شَعر الحروف، إلا أنني أفضّل أن أكون مستلِمة لرسالةٍ / قصةٍ لا أعرف محتواها ولا مُرسِلها!

ولن يُهمني إن كان المُرسِل (سانتا كلوز) على عربةٍ طائرة، أو إن كان صاحب ( ظلٍ طويل) أو حتى بلا ظِل!

***

يقولون أن في حياة كل شخص حدثٌ ما تدور كل حياته حوله، ثم تأتي تفاصيلها فتُفسّره أو تسترجعه أو تنفيه أو تُقاومه أو تحّن إليه..!

كان ذلك الحدث في حياتي حينما ضاعت رسالة حبيبي القديم في البريد، فضاع حُبي معها..!

من يومها وأنا أحمل قُصاصة عنوانه في حقيبتي أينما سافرت وحيثما حللت!

من يومها وأنا أبعث له رسائل لا أعلم مَن يقرأها وإن كان هناك مَن يفتحها من الأساس!

أُعزيّ نفسي في ضياع حبي بأن رسائلي الضائعة قد تصير قصةً جميلة في مدوّنات ساعي بريد!

***

مع مرور الوقت، وجدتُ نفسي أتقمص الانتظار وأحيل كل كينونتي إلى محطة!

أصبحتُ ألتقط القوارير الزجاجية من على الشواطئ المنسية، لأفكّ شفرات رسائل الجِن والإنس!

صرتُ أترقب حركة الحمام المحلّق حولي وأتأمل أرجله الصغيرة المزيّنة برسائل وهمية!

ولم يزل صوت (نصري شمس الدين) يهدر في كياني:” قصاص ورق ساويهن ناس.. قصاص ورق على اسم الناس.. سميهن بأساميهن وحاكيهن بيصيروا ناس..”، ليبعث تلك الكائنات الورقية لتُصبح أطفالي النابضة بحرارة خُبزٍ ريفيّ!

***

توقفتُ عن إرسال الرسائل منذ زمن..

توقفتُ عن لملمة العناوين وانتظار المواعيد والقوارب الآتية من الضفة الأخرى!

لكنني لا زلتُ أنتظر رسالةً من مجهولٍ أتوّهم أنه ينتظر أن أُسافر إليه، بينما هو ينتظر أن أُلملِم رسائله في صندوق قصصٍ خشبي!

لا زلتُ أنتظر حبيباً ورقياً يُرسل لي رسائل فارغة دون أن يضع عنوانه، لأظلّ أنا أتقصى مشاوير رسائله وأظل أستنطق قصصه المكتوبة بحبرٍ سريّ!

***

الرسائل الضائعة التي لا تصل صارت قصتي،

وانتظار الرسائل التي لا تأتي أحالني إلى قصة!

وقصص ذلك الكائن (المجهول) التي استعصت على الكتابة، لبست (بوح) الرسائل وطارت إليّ على جناح نورسٍ متوسطيّ!

وما بين رسائلٍ تضيع لتُحبَسَ في قارورة قصة،

و قصصٍ ملّت صمتها فما لبثت تُحاول طبع آثار أقدامها بحِبر البوح على بياض رسالة،

تُولَد قصةٌ أخرى تُغري دفاتر ساعي بريدٍ منسيٍ أو شاعر يخاف الموت في الضجر!

هبة البيتي

واشنطن دي سي 

٢٤ يناير ٢٠١١

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s