محاولة لرصد ذاكرة تراب..!


194_10206699198_1738_n
محاولة لرصد ذاكرة تراب..!

من الصعب أن يُصدّق الآخرون أن الوحيدين يعتادون على وحدتهم، كما يستحيل على الأحياء أن يُصدّقوا أن الأموات اعتادوا على صمتهم..! شيءٌ بسيط يُمكن أن يحدَث كأن أن يتعطّل جهاز تسجيلك، قد يضطرك أن تستمع إلى صوتك الداخلي دون أن تُحاول أن تُلجمِه أو تُسايسه بصوت الموسيقى الذي تفيض بها غرفتك المنزوية..

حدَثٌ كهذا كان كفيلاً بأن يُذكّرني أن مقاومتي لهذه الوحدة لن تصل إلى نهاية، وأنني بين حينٍ وآخر لابد أن أُهادِنها من جديد..أكتشف في أقل من نصف ليلة أن صوتي الداخلي- المتوحّد بذاته اليوم- بشع وقاسِ، بالرغم من كل الكتب التي يُحاول أن يستسلم لأساطير كلماتها ورحلات مجهولها..أمضي إلى علبة سجائري، ليس محاوَلة للهرب ولكن لتنظيم حملة استكشافية لذاتي التي نسيتُ كم مضى من الوقت وأنا هاجرةٌ لها..أقرر أن أحجّ إلى فناء البيت وأنا أدرك خطورة نتائج تلك الفكرة، من اندلاع صرير الباب في ذلك الوقت المتأخر، وما قد يترتب على ذلك من محاولة لمعرفة مصدره..

((منذ متى وأنا لم أر هذا الفناء؟!)).. كان من الصعب عليّ أن أتجوّل في أنحائه، خاصةً وأنا أدخّن بحذر شديد وباختلاسٍ لذيذ..لم يكن من الضروري أن أمشي على بقعة عتمة أو خيال ضوء في ذلك الفناء ليجثم فوقي جسرٌ قديم يعبر بي إلى الذكريات الكثيرة البعيدة..تذكرتُ فرحتي أنا وإخوتي بالانتقال إلى هذا البيت.! تذكرتُ كيف كان هذا البيت حُلماً وكيف كانت رحلتنا إليه في نهاية كل أسبوع عيداً.! تذكرتُ كيف كنا نزرع تلك الأرض بكل أنواع الورد والياسمين والخضار والفواكه..تذكرتُ رائحة الريحان الشاهقة وكيف كانت قادرة على امتلاك أحزاننا الصغيرة في وقتها والاستحواذ على كل حواسنا وخيالاتنا..أتذكّر لعب أمي معنا بالدراجات التي كانت تمثّل الريح التي وددنا دوماً التشبّث بمجهولها..السباقات الكثيرة التي كنا نتحمّس لها، وعدّنا القفزات التي تقفزها أمي بالحبل ذي الأطراف الوردية الفاقعة.. ترُّقبنا إزهار الرمان والليمون من الأشجار التي زرعناها وزرعنا أنفسنا فيها دون أن ندري..لهفتنا لموعد نزولنا للفناء، والتي كان تستولي علينا لدرجةٍ كانت تُعيقنا عن أداء واجباتنا المدرسية في كثير من الأحيان.. أتّذكّر هرب أخي الأكبر قبل أن يحين الموعد، ونزوله قبلنا واكتشافنا لذلك من صوت درّاجته، وركضنا خلفه حالما نسمع صوته، بالرغم من عدم انتهائنا من فروضنا.. وعود أمي بالسماح لنا بالعشاء في حُضن الفناء وعلى صدر أرجوحته ذات الفَرش الأصفر المخطّط بالأبيض..أتذكّر كم مرةً حملتنا تلك الأرجوحة وكادت تنكسر حينما نقعد عليها كلنا سوياً..شراؤنا لقبيلة من الدجاج وجعلهم جزءاً من ارتباطنا بالفناء..هربي حينما أدخل البيت وأنا راجعة من المدرسة وأرى دجاج البيت كله يُلاحقني، لأن أخي الأكبر كان يرفض أن نجعلهم حبيسين حظيرتهم الكبيرة..! حملي للسلة البلاستيكية الحمراء منتظِرةً أخي عند باب الحظيرة ليعود بما أنتجه دجاجنا في ذلك اليوم..كرهي أنا وأخي لكل أنواع البيض، لأننا كنا نرفض أن نأكل أطفال دجاجنا الذين لم نسمح لهم أن يأتوا..! مرض الدجاج بعد ذلك واضطرارنا لذبحه..أتذكّر صوت ذلك الديك العنيد- بالرغم من ضعفه- حينما كان يُذبَح وبكائي أنا وأخي- الذي اضطر أن يسمع كل أنّات الديك لأنه صبي لابدّ أن يشهد عملية الذبح..! عدم قدرتنا على مسّ الدجاج أو أكله بعد ذلك لفترة طويلة تجاوزت السنة..!

183_10206534198_4323_n

ألقيتُ نظرة أخرى على الفناء الذي أصبح وحيداً وغريباً عن نفسه- مثلي..أتساءل فجأة عن السبب الذي يجعلنا نرى الفناء صغيراً، بالرغم من أننا انتشلنا كل الزرع الذي كان يتربّع على عرشه، فلم نبقِ إلا الزرع الذي يُسيج أطراف الفناء لكيلا يبدو الفناء عارٍ تماماً.. عروش العنب البيضاء والملتفة على ذاتها كبر ياءاً وخجلاً لم تعد سوى للزينة.. حتى طين الأرض قد ردمناه نهائياً، وفَرَشنا الفناء ببلاطات ذات أشكال هندسية ملوّنة..! أتذكّر أنني حاولتُ كثيراً التأقلّم مع الوضع الجديد للفناء، كنتُ أنزل إليه وأحاول أن أعدّ بلاطاته، لكن لهفة العدّ والوصول لعدد البلاطات الحقيقي لم تستطع أن تُلهيني كثيراً عن رائحة الأرض التي افتقدتُها كثيراً.. ربما علمتُ منذ ذلك الحين أن فرحة لمس أول جنين لشجرة ليمون أو رمان، أو حتى الحزن الذي كان ينشّق بيننا أنا وإخوتي على موت شجرة صبّار صغيرة من الصعب أن تُداويه أو أن ترتجف له بضع بلاطات صامتة..!

فكرتُ أن البشر يبدأون بِرَدم ذكرياتهم حينما يعتقدون أنهم غير قادرين على تَبِعاتها، يشرعون في تعبيد طرقاتهم بالبلاط المريح لمجرد أنهم أدركوا أن المشي على أرضٍ عارية قد يُكلفهّم التعرّض لأشواك الذاكرة مدى العُمر..!

ها هو فناؤنا الذي كان كبيراً، هاهو معبّدٌ للمشي ولكل أنواع اللعب، لكنه في هذا الوقت تحديداً أصبح أكثر عُرضةً  للهجر والتجاهل..الشجيرات القليلة التي تقف بصمت على أطرافه، لا أحد يفكّر بتفحصها غير الحارس الذي يسقيها لمجرد أنها وظيفته في الحياة..حتى الأبواب التي وضعناها في الفناء على هيئة مرمى كرة قدم، لم تستطع أن تشدّ إخوتي ليُلقوا نظرة صغيرة على الفناء..!

سيجارتي الثانية على وشك الذوبان، وأنا أفكّر أنه ربما تكون إحدى نوافذ هذه البيوت المطلّة على الفناء جزء من ذاكرة الفناء المُهمَلة..أُحاول أن أعزّي نفسي أنه ربما إحدى تلك النوافذ التي تبدو صامتة، قد حاز هذا الفناء على اهتمامها وحاولت تقصّي تاريخه وكشف وجهه الحقيقي..

إيه يا بيتنا أُتراك تُدرك أنك أصبحتَ صغيراً علينا؟! أتُراك تعلم أنه وقتما انزاح الطين من على وجهك، لم نعد نُطيق النظر إليك لأنك بتَ بلا ملامح ؟! وأتُراك تُدرِك أننا خفنا انحباسنا في ذاكرة حزنك، لذلك تعمّدنا تجاهل ذاكرتنا-ذاكرتك..؟!

دون أي تفكير مسبَق أجد نفسي أحمل رماد سجائري وأعقابها وأذهب لبقعة صغيرة من الطين تسكن على أطراف الفناء..أحفر مساحة صغيرة بأصابعي المعبّقة بالدخان، أضع فيها أعقاب السجائر وأمضي دون أن أمسح الطين الذي علق بأصابعي..أمضي إلى غرفتي المنزوية محاولِةً التوهم أنني حينما أدفن سجائري تحت ذلك الطين، أربط ذاكرة وحدتي بوحدة الفِناء-الأرض..!

الحياة في النهاية ليست سوى محاولة لرصد ذاكرة ما على تراب الأرض…!

المدينة المنورة
10-11-2005

Advertisements

One thought on “محاولة لرصد ذاكرة تراب..!

  1. Reblogged this on مدونة هبة البيتي and commented:

    فكرتُ أن البشر يبدأون بِرَدم ذكرياتهم حينما يعتقدون أنهم غير قادرين على تَبِعاتها، يشرعون في تعبيد طرقاتهم بالبلاط المريح لمجرد أنهم أدركوا أن المشي على أرضٍ عارية قد يُكلفهّم التعرّض لأشواك الذاكرة مدى العُمر..!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s