في البدء كان الصمت..!



* “حين لا يُمكِن السكوت, فإن الموسيقى تقول ما لا يُقال.”
* “الموسيقى هي ضجة تُفكّر.” (فيكتور هيجو)

دائماً هناك تواطؤ خفي بين الموسيقى والكلمة. الموسيقى دائماُ تُحاول أن تستنطق (الصمت)، وأن تُفتّق من بين أنامله ندى كلمات. والكلمة بدورها تُحاول- عبثاً- أن تُحاكي مدى الموسيقى الذي ينفتح على ما بعد مجهول الأفق وأسرار المسافات. وكأنما هناك شُعلة سرّية، توقِد كل مَن الكلمة والموسيقى، ليستثير كل منهما الآخر ويعمل على استيلاده منه.

وبالرغم من أنهما يشتركان في صفة الأنوثة، فإن هناك ما يُشبه رمي النبال بين الموسيقى والكلمة- اللغة. الموسيقى تُحاول أن تقول أن الكلمات لا تستطيع مجاراتها في اختراق عتمة المجهول والفصح عما تحبل به الأرض من أسئلة مستعصِية على الصياغة. الموسيقى تُحاول إقناع الكلمات- همساً- أن تستسلم لخواء حروفها، و أن تعترف بمراوغتِها طغيان (الصمت). الموسيقى تقول للكلمات أنها متحجّرة وغير قابلة للتحليق أبعد من خيالات البشر الضيّقة- مهما اتسعت. وفي أثناء ذلك ودون وعيٍ منها، تقع الموسيقى في مصيدة (اللغة)، حينما تُحاول أن تستخدم سياستها في إيصال حمامات رسائل- معينة- للمتلقي. هكذا نجد أن الموسيقى هي تحديٌ للكلمات بشكلٍ أو بآخر، ومحاولة لإلغاء وجودها أو على الأقل الاستهانة به. والنفي يقتضي اعترافٌ وتأكيدٌ ضِمني لوجودٍ شامخ. هكذا تتكشّف حقيقة الموسيقى، من حيث أنها ليست سوى شكلٌ آخر للغة.

فاللغة في مجملها وعلى اختلاف أشكالها وصيغها، ليست إلا محاولة لتكثيف انفعالات معينة واختزانها في بوتقة ذاكرة زمنية قابلة للاجترار وبالتالي للخلود. اللغة محاولة لترسيخ أعمار الحناجر المشروخة بجفاف أوتارها، والدماء المحتقِنة بغضبها. اللغة محاولة لاختلاق مبررات للوجود، وزرع رئةٍ للمنطق. اللغة مشيٌ على جسد(المستحيل) لِفقئ بذور(النشوة) في مغاوِر الحروف اللزجة. اللغة تجسيدٌ قاطع لشهوة البشر لارتكاب(اللعب)، والتحايل به على ريح (العبث) الحادة كسِكين.

ولكي نصل إلى لحظة (التفتّق الأول) للكلمات، بغض النظر عن محتواها أو قدرتها على القول أو اختراق حدود المعنى الظاهر، يجب أن نتجّرع الصمت وأن نعتاد على سَبر أغواره. فالصمت هو المحفّز الأساسي لارتكاب حماقة (الكلام) أو (الكلمات).

* “إنكم لا تستطيعون أن تترنموا بالأناشيد حتى تشربوا من نهر الصمت.” ( ميخائيل نعيمة)
* “يُلقي الصمت بظله على الكلام.” ( إديف وارتون)

فالصمت مرتبطٌ بالتأمل، والتأمل مرتبطٌ بالحكمة، والحكمة تُولَد من الجنون٬ والجنون إما صمتٌ صاخبٌ بالعجز أو صخبٌ- كلمة- ممتِنعٌة عن البوح أو التكشّف. والصمت والصخب كلاهما تجسيدٌ لتُحايل الكلمات على الحقائق وتلاعبها بالمعاني. الصخب والصمت هما صورتان لرَجٌلٍ واحد: الصوت- اللغة. فالصخب صمتٌ ناطق، والصمت صخبٌ عاجز. والنطق لغة مَن يعجز عن الصمت، والصمت لغة مَن يستعصي على الكلمات.

الطبيعة هي الأم الشرعية لكل الأصوات على اختلاف منابعها وتناغمها. تتبٌّع دوائر الضوء ومداعبة منابت الأوراق، يستدعي الخضوع لتعرية الذات والإلقاء بها حافيةً من أي افتراضات مُسبَقة لأي نوع من أنواع المعرفة. هذا الإصغاء لبئر الطبيعة،  يجعلنا أكثر قدرة على اليقين بِوحدة الوجود، وتداخل متناقضاته وحقائقه بشكلٍ رهيب. لهذا نُصبِح قادرين على تحسّس مواطِن الدهشة في الكون، وعلى مواطِن الضعف في البشر. هكذا نشعر أن صمتنا غير قادِر على الصدح بما يصدح به صمت الجبال،  أو الهمس بما تهمس به أعناق الصنوبر للقرميد. هكذا نشعر أن صراخنا لا يستطيع الحفاظ على رزانته كما شَعر شلالٍ على مرآة نهر. هكذا نُصبح أكثر وعياً بحقيقة صمتنا، حتى في محاولاته للاقتصاص لذاته باختلاق الكلمات.

في النهاية، لا أستطيع أن أتملّص من صورة الدائرة التي تقذف بي نقطة بدايتها إلى نهايةٍ تدور و أبداً لا تنتهي. هناك حيث تبدأ الكلمة لتُحاوِر النغمة وتُحاوِل أن تجعلها في متناوَل محدودية اللغة،  لِتخطف النغمة الكُرة وتبدأ في سَلخ الكلمات من معانيها وتطويعها لآفاق المطلق. هنا يأخذ الصمت في اللعب على أوتار المجهول وتقصي نوارس الدهشة. حينها تكون الفاجعة، حينما نكتشف أنه بالرغم من صخب الشلالات بالكلمات، وتلبّد الغيوم بالقصائد، وغصّ الأغصان بالأغاني، فإننا يجب أن نقتدي بحِكمة الطبيعة حينما قررت الصمت عن الموسيقى والكلمات. أما إذا كنا كبشر لا نُطيق أن نُتخَم بحكمة (الصمت)، فلابد أن نعترف أن كل كلماتنا وأغنياتنا محاولة يائسة لمحاكاة اكتفاء الصمت بذاته..!

الأحد
15/1/2006
المدينة المنورة

*نشر في موقع عناقيد الأدب الإلكتروني٬ ونشرت مقاطع منه في حوار مع جريدة الاقتصادية في عدد يوم الثلاثاء الموافق 30 مايو 2006 العدد 4614
http://www.aleqt.com/2006/05/30/article_42033.html

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s