عُقدة الأبواب المغلَقة



مرةً أخرى

يمرّ بي الليل

أفتح بابه

وأترك الباب موارِباً

وأنتظر

أنتظر تهدّج صوت

أو أنين صمت

أنتظر وأنتظر

ولا شيء يصل

إلا صفير الريح !

************

أغيب في النوم

أفيق فأجد الباب مغلقاً

والريح مبعثِرةً أوراقها في زوايا الغرفة

أهرع إلى الباب

أفتحه، أتركه موارِباً

أخرج

وأتركنُي في الداخل

أنتظر ما لا يريد أن يصل !

************

ولأن الأبواب المفتوحة تٌدهشني وتستفز فضولي

أجدني أستقلّ أول حافلةٍ يٌفتَح بابها لي

وأنزل منها حالما تَفتح الباب أيضاً

أتسكّع في الشوارع

أبحث عن بابٍ مفتوح

وعن عينين مندهشتين

كمولودٍ يفكّ وثاق جفنيه لأول مرة

لكن البيوت مغمضة العيون لا تزال

وشبابيكها دائمة العبوس

كليالي الأمطار!

والعيون لا تفتأ تُسدِل الستائر

وتهجر نفسها !

**************

بابٌ وحيد وجدتٌه مفتوحاً

قلمي كان فاتحاً بابه على مصراعيه

ولأني لم أعتد على الأبواب المفتوحة

كنتٌ أجدها بدايةً لأفقٍ جديد

تسللتُ إلى ما وراء الباب

عالمٌ مدهش كان ينتظرني

مساحاتٌ غريبة تملؤها هالات أساطير وأحلام

خطوطٌ تٌحاول أن تثور على المستقيمات

وأخرى على المنحنيات

حروفٌ تٌحاول استدراج الصمت

أو مراوغة الكلام

بقع حبرٍ تبدو أحياناً شهية

ومفتوحة على كل الاحتمالات

وأحياناً تبدو تجسيداً مصغّراً للأوحال !

***************

يُباغتني الليل

وأنا غارقةٌ في شهوة اللعب مع الحروف

تصفعني الريح

وتصفع الباب الموارِب

والباب الموارِب لا يعود موارِباً!

**************

الأبواب المغلَقة تٌفزعني

تُشعرني بالاختناق

وتُذكرّني بغرف الفئران والسجون التي كان يُحكى لي عنها

وبكوابيس الغرف المظلمة التي لا صوت فيها إلا الأنفاس المحبوسة

أضيق بالباب المغلق مرةً أخرى

فأجدني أفتحه وأخرج

وأترك الباب موارِباً كالعادة

في حالة التفكير في الرجوع أو إعادة النظر!

************

لم أعد أحتمل انتظار انفتاح الأبواب المغلَقة

أصبحتُ أَدور عليها

أطرقها

يٌفتَح الباب أحياناً قليلة

أتلصص على الوجوه التي تختبىء خلف الأبواب

بعضها لأشخاصٍ يقولون أنهم أصدقائي

يدعونني للدخول

يقفلون الباب وراءهم

يَجلِد أذني صرير الباب عندما يُقفَل

أدخل بحذر

أخاف ألا أجد أصدقائي عندما أرفع الستائر عن أعينهم

أخاف أن أنظر إليهم فلا أعرفهم

ولا أعرفني !

**********

يتجاذبون معي أطراف الكلام

وأحاول أن أجذب أطراف ستائرهم

عبثاً أحاول أن أراهم

وعبثاً أحاول أن أرفع ستائري لهم

يركض أصدقائي الذين يقولون أنهم أصدقائي

يركضون بين متاهات الكلام

وأركض أنا إلى أبواب الماضي

ودون استئذان٬ أفتح أول بابٍ أصادفه

أدخل٬ أحتمي من دمعةٍ تلحّ عليّ

أحتمي منها بجدار الحروف الهشّ

لا أنسى أن أترك الباب موارِباً

لكني أتركني على عتبة الباب هذه المرة !

**************

أرجع إلى أصدقائي

كلامٌ كثير أقوله ولا أود أن أقوله

كلامٌ يُشعِل صقيعاً في قلبي

أجدني أنزوي في زاوية عيني البعيدة

أنكفؤ على نفسي هناك

وأتقوقع على أحزاني الموارِبة

ولمرةٍ أخيرة،

أحاول أن أستنجد بمساحةٍ من أعينهم لم تحجب الستائر عنها الرؤية بعد،

مساحةٍ لم تُكممّها الأبواب أو الجدران

أتذّكر أبوابهم المغلَقة

و وحدي أستحضر صوت فيروز:”خوفي لا الباب يتسكّر شي مرة بين الأحباب”!

أُدرك أن الموضوع ينتهي حالما يُغلَق الباب

وأن المتفرجين لا يملكون خياراً إلا الرحيل عندما تٌسَدل الستائر

أقبض على أكرة الباب المغلَق وكأنها وسيلة الخلاص

أفتح الباب، وأخرج

وأعتذر من أصدقائي بأني قد أخطأتُ الباب!

******************

أعود من حيث أتيت

لا أنسى أن أنتشلني من على عتبة الباب

أهيم على وجهي في الشوارع من جديد

أنظر إلى السماء وأُلاحظ أنها هي الأخرى بابٌ مغلق

لا أفكّر بأن أفتح الباب هذه المرة

و يردّ عليّ صوت فيروز مرةً أخرى:”صار الحَبس كبير”!

******************

يأتي الليل مجدداً

فأتسلّل إلى غرفتي المنكفئة على نفسها

تُخيفني غرفتي الرازحة تحت وطأة الظلام

فأحتمي بالليل،

أفتح بابه،

وأتركه موارِباً

لكني لم أعد أفكّر في انتظار شيء..

سوى أنفاس الريح !

صباح الثلاثاء
3/4/2003م
المدينة المنورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s