منافٍ تُحاول تصنيف قصيدة !


منافٍ تُحاول تصنيف قصيدة !

لم تعد منافي الأوطان تُغرر بي

بل صارت المنافي أوطاني التي تبلّ عطشي بثورة..

وأغنية !

صارت المنافي تُدِبّ فيّ شعر درويش،

وتُهدِر فيّ عود مارسيل الجريح

هذه المنافي تشي بي لحُضن أمي الوطن!

تشي بي لحمامةٍ نسيتني طفلةً تكتشف اللعب على رُخام ساحات الحرم المدينيّ!

أحضان المنافي تُذكّرني برائحة الريحان والفُلّ الملفوف في منديل جدي النديّ!

**

أحضان المنافي الباردة تستدرجني إلى نار الشعر

في بلدٍ يفهم (لا منطق) كل شيءٍ،

سوى الشِعر !

***

يسألونني: عن ماذا تتحدّث قصائدكِ العربية؟

أُجيبهم بكل الإجابات الممكنة والمقنعة،

لكني أنسى أن أخبرهم أن القصائد لا تُكتَب، بل تُنزَف !

أنسى أن أقول أن القصائد ليست بعضٌ منا، بل هي كُلُنا!

أنسى أن أُفهمهم أننا –الشعراء العرب- لا نتزيّن بشعرنا،

لأن قصائدنا هي مسارات دمائنا المشردة والباحثة في الموت،

عن دفء وطن !

***

أخاف قلمي في هذه المنافي

أخاف أن يفضح غضبي الدفين

أخاف أن يُعرّي رصاص بكائي السجين

أخاف أن يعتقلونني بتُهمة الحزن!

فهم في هذه البلاد لا يخافون شيئاً،

كما يخافون الحزن !

***

أخاف قلمي لأني أخاف أن يشتمّوا رائحة القهر فيه!

أخاف أن يسمعوا فيه صوت طفلةٍ تستغيث بالنار،

لتُفكّ عنها وثاق خوفها!

أخاف أن يبعثوا بكلابهم البوليسية إلى كلماتي،

ليُثبتوا أنني سكبتُها على غفلةٍ من عينيّ الرقيب !

ثم يعتقلون “الرقيب”،

ليُصبحوا هم: “أمناء الحرية”!

لكنهم بعد أن تُثقل ميدالياتهم الصُحف،

يُطلقون الرقيب ويمضون،

تاركين صحاري منافيّ تشتعل،

بفتيل شمسها وجنون رمالها !

***

بينما صحاري المنافي تحتضنني وتُطوقني من كل جانب،

أراهم يتلصصوّن على كلماتي ويلتقطون بذور شكّها،

يتفحصونها على مهل،

قبل أن يُرسلوا في طلب قلمي،

مع تذكرة سفرٍ إلى أرض الحريّة !

***

يُحققّون مع كلماتي ويُصرّون على تقصّي جذورها الِعرقية والدينية والجِنسية،

يستعصي عليهم تصنيف قصائدي،

فتارةً،

يرونها تذرف دم المسيح،

وتارةً،

يشتمّون فيها صوفية محمد وحكمة علي،

تارةً،

يُبحرون بين مسارات الكواكب وهم يستمعون إلى ابن عربي ودانتي،

يُغنّيان أشعارهما برفقة الحوريات والملائكة!

وتارةً أخرى،

يسمعون منصور رحباني وسقراط يتسآلان عن الحرية والحقيقة،

قبل أن يتناسا أسئلتهما على أعتاب الشِعر والموسيقى!

يجدون كلماتي وجودية عبثية حيناً،

وغيبية إيمانية حيناً آخر!

يرونها عربية أحياناً

وإنجليزية أحياناً أخرى!

تاء التأنيث تُساعدهم على تحديد جِنسي وهم يقرأون كلماتي العربية،

لكنهم يتوهون من جديد حينما يقرأون كلماتي الإنجليزية،

يتوهون بين أنوثة كلمات ملثّمة بوشاح الخوف العربي،

وبين رجولةٍ حروف ٍتخبئ حُزن انتكاسها في عُهر الشعارات العربية!

***

لا زال بحثهم جارياً لي عن هوية

شكّوا في جدوى ومنطقية تصنيفي: عربية إرهابية!

لكن راقهم تصنيفي: عربية مقهورة!

أرسلوا لي بجيوش استنكاراتهم وإمدادات بياناتهم٬

أعطوني جوازاً وبطاقة هوية،

وحينما سألوني عن سبب لجوئي لبلادهم،

توقعوا أن أقول: عصفورةٌ تتوق إلى الحرية!

لكنني قلتُ:

عصفورةٌ تجرّب التحليق في سماوات (سجون المنافي)،

بعد أن ملّت التحليق على أراضيها!

***

“عصفورة الشجن” أنا

بيتي أكفّ القطارات الذاهبة إلى اللامكان،

وقتاتي حَبّ يتركه الوحيدون على شرفاتهم المهجورة !

ألوان الأشجار هويتي،

وصوت الماء لغتي،

أنتمي لنبض الأرض،

بقدر انتمائي لدمع الغيم!

بلادي هضاب الشِعر و سهول الموسيقى،

وشعبي التماعات الحزن في عيون الغرباء!

***

إذا كان لابد لهم أن يُصنفوني،

فليكتفوا ب: كينونة يُغويها زهر الشعر بالذوبان على صفحة الجمال!

وإذا كانوا لايزالون يتساءلون عن هوية كلماتي،

فليعلموا أن جذور كلماتي دوماً عربية !

هبة البيتي

أكتوبر 2010

واشنطن – دي سي

* تم نشر النص في جريدة المبتعث الصادرة عن الملحقية الثقافية السعودية بالعاصمة واشنطن.

منافٍ تُحاول تصنيف قصيدة ١ منافٍ تُحاول تصنيف قصيدة ٢

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s