سؤالٌ يودّ ألا يٌسأل !


سؤالٌ يودّ ألا يٌسأل !
حصانٌ جامح يقتحم ليلي الممتد بلا هوادةٍ على أكتاف الجبال..
يركض على شاطىء حزني، ماحياً ظلال جراحٍ تعفنت على صمت العُمر..
يركض بي..يركض على ضفاف القمر ودروب الصدفة، دون أن يلتفتَ إلى ريح الليل..
تخترق أرجله سكون الأرض، فيخترق عتمة يأسي ومروج صمتي..
يقتل أنفاس الرمال بصليل أقدامه،  فيدوس بلا رحمةٍ زهور جراحي..!
*********
حصانٌ جامح يقتحم ليلي..حاملاً في رجليه البرق وسارقاً من المجهول دمعة عشق..
يصهل بي في سماء المستحيل، ساكباً على خوف عينيّ زخات جنون ونسمات أصيل..
يصهل بي ويُقحمني في أمواج المفاجأة.. ويُفجّر المدى من رِحم الغيم..!
ينظر الحصان إليّ، فينثقب الليل، ويعودُ طفلاً وديعاً يُسبل جفنيه على حزن القمر..
يُوغل الحصان النظر عميقاً، فيلتفتُ النسيان لي أخيراً، ويُفجّر مناجم جنوني الصامتة منذ زمن..
يُمسك بأجفان البحر ويتوالى على حدقاته، ليعزف فرحاً هارباً بين أوتار الغيم..!
يُروّض الموج بأقدامه، يسكبَه على أزهارٍ تتفتّق مندهشةً من بين أنامله ..دهشة الحياة في حضن الماء..!
كيف ينفض الخوف يديه عني حين تعلق عيناه بعيني، كقطرة ماءٍ تعلق بأهداب الزهر..؟!
كيف أركض معه وقد قررتُ التوقف عن السفر مع قوافل الضوء خوفاً من غدر العتمة..؟!
**********
حصانٌ جامح ,كنهرٍ راكض..يقتحم ليلي وينثره على سطح القمر..
يتلصص على عتبة بابي٬ كنسمةٍ معبّقة بأنفاس الربيع ومحفوفةٍ بشوق المطر..
ما بين رغبة الموسيقى في تعلم النطق، و غريزة القلم في ملاحقة بذور الكلمات ..يلتقي بي..
في مسافةٍ بين جنون الصمت وكبرياء الكلمات، يعتقلني..في مسافةٍ خارج المسافة..!
وراء كل إصبعٍ من كفيه يُخبىّء لي دهشة كلمة، وفجر قصيدة..!
من لذة التشبث بالمجهول والتحايل على الصدفة تُولد نسمةٌ بيننا..
من لهفة الانخراط في جنون المطر و التبلل بشهوة المستحيل تتلصص ريح الشوق على أحزان عيوننا..
ومن إغراء استفزاز القدر ومعاندة وجوده والاقتصاص من سخريته، تتدفق دماء الحب في عروقنا..
ومن استسلام أرجلنا للركض في ساحة المدى والتفجر فيها، ننطلق معاً ..نجمين هاربين من الزمان..ومن الضجر..!
**********
حصانٌ جامح أعرف أنه أكذوبةٌ أتحايل بها على وحدتي..لكني أظل أركض معه..
حصانٌ أعلم أنه سيفرّ ضاجراً كالرعد من ظلمة شاطئي..
حصانٌ أعلم أنه سيتعب من اللعب مع المستحيل و من مقاتلة المسافة..
أعلم أني لستُ سوى وهماً عابراً بدربه..لكني لازلتُ أركض معه دون أن أسأل..
أعلم أنه شهابٌ سيذبل حالما ينسكب عليه ضجر الليل، و أنه لن يترك خلفه سوى صمت الكون..
أعلم أنه راحل، وأحب أن أُوقن أنه راحل..ليُصبح لقاؤنا كل مرةٍ عيداً، ويُصبح الشوق مركباً نركض به على الوقت..
أعلم أنه سيرحل ناسياً أني مغلولةٌ إلى شاطىء الأحزان..
لكني أريد أن أراه وهو يرحل وأظل أنظر إلى خطواته المبتعدة،
لأبقى متحفزة كلما سمعتُ حفيف غصنٍ متوهمةً أنه قد عاد يصهل على حزني..!
سأحتفل برحيله كما أحتفل كل ليلةٍ ببقائه..سأحتفل برحيله،  فقد سرقتُ عينيه دون أن يدري..
ومن أنفاس عينيه ينبثق نبض قلم و وهم حلم..من أنفاس عينيه تتخلّق رائحة حياة..!
سأحتفل برحيله، لأنه حين اصطدم بدربي،  كان قد سكن فيه..
فليرحل وقتما يشاء وحيثما يشاء..فلم يعد للرحيل صوت على شاطىء وحدتي الأزلي..
فليرحل , دون وداعٍ إن شاء..فلقاؤه وُجِد لينفي الرحيل ويأسر المدى..
فليرحل، بلا دمعٍ إن أراد..فأنا قادرةٌ على بعثه من طرف قلمي وتزيين عينيه بشوقٍ يلهث على ورقي..
أنا المرأة التي تخلق من الكلمات أوهاماً تقتات بها، ومن الأوهام كلماتٌ تتنفسها..
لا أخاف الرحيل ولا أهاب المستحيل.. فالرحيل يرحل والمستحيل لا يعود مستحيلاً، والكون كله يصبح ملكي..بجرةٍ من قلمي..!
**********
إلى أين تراه يأخذني ؟ أركض معه ولا أريد أن أسأل..
كيف أسأل و أُقاوم أن يحملني على ظهر مجهوله، وأن ينساني في غُرة جنونه ؟
كيف يرتطم صخر أرجله بزجاج الموج ولا أستسلم للذة الانكسار على سطح البحر ؟!
كيف لا أتشبث بناصية عينيه وعلى حوافهما تنبض واحة فرح؟!
كيف لا أنحبس في عينيه وهو يُعلّقهما على صفحة المدى ويظل ينظر إليّ وإن كان لا ينظر؟!
كيف لا أسبقه وأعتقل عينيه وأدسّهما بين زهور كلماتي وتعثّر خطواتي ؟!
كيف لا أركض معه، وهو يسكب من عينيه الشمس ويفرش لي بها ساحةً تشتهي الركض؟!
كيف لا أركض معه..أنا التي لا تُقامِر إلا على المغامرة، ولا تركض إلا على المستحيل، ولا تُراهن إلا على الحب…!
إلى أين تراه يأخذني ذلك الحصان الجامح ؟!
لا لن أسأل..فعلى أعتاب عينيه، يسكن فجر حلم ..!

أكتوبر 2003
المدينة المنورة
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s