الفرح..بين فكيّ الذاكرة والنسيان..



الفرح كما الحب، يأتينا فجأة ويتملّص منا فجأة..

الفرح يُباغتنا كما يُباغتنا الحب، حيث لا نتوقع وحين لا نشتهي..

الفرح كالحب، محاولةٌ لإسقاط الذات على الوجود..رغبةٌ عنيدة لإقحامها في الحياة..وشهوةٌ عميقة الجذور لترسيخ هذه الذاتية وتكثيفها..

الفرح هو رغبةٌ في التفرّد بجلسةٍ خاصة مع لحظةٍ زمنية ما..هو رغبةٌ في سحب حقنا في الامتلاك على الزمان وكل ما يجرّه خلفه من ممتلكات..

وهو رغبةٌ في وهب لحظةٍ ما نشوة التفرّد بكل انفعالاتنا الشعورية، ولذة توحدّنا بجسدها إلى حد الالتحام،  وإلغاء خصوصية ذواتنا بإحالتها إلى جزءٍ من كل الوجود المتناغم..

الفرح هو تفردّنا بالزمان وتفرّده بنا بشكلٍ مؤقت..هو اعتقالنا الزمان داخل لحظة، واعتقاله إيانا داخل نشوة لحظة..

الفرح تجسيدٌ لرغبتنا العنيفة واللاواعية في الخلاص..هو محاولةٌ للتحايل على أنفسنا، وإقناعها أن أحزاننا الأزلية قابلة للذبول والتراجع خطوة إلى الوراء في لحظة فرح..

الفرح انعكاسٌ لميلنا الفطري لمقاومة خيباتنا والانتقام لنا..وهو عقدةٌ أزلية متضخّمة تحاول دوماً رد الاعتبار للنوع البشري وإثبات قدرته على الفعل والتغيير..

الفرح ليٌ لذراع اليأس وطعنةٌ صائبة في صدر العبث..

الفرح توزيعٌ جديد لألحان أحزاننا المكرّرة الرتيبة، ورقصةٌ متجددة على أنغام ناي وحيد..

الفرح مخلوقٌ زئبقي يُسافر بنا إلى مدى لا مرئي ثم يُلقي بنا إلى عوالم النشوة، ثم لا يلبث أن يسحب عنا بِساطه، فتتلعثم أرجلنا ونفقد توازننا النفسي، فإذا بنا غرباء عن أنفسنا وعن أحزاننا..

وكأنما الفرح إعادة صياغة لغربتنا..وكأنه استنباتٌ لها في أرضٍ جديدة ومدىً أرحب..

***

الرغبة في القبض على لحظة فرح حقيقةً هو رغبةٌ في التقاط لحظة نجدّد عليها البكاء كلما استحضرناها..

التطلع إلى الفرح هو محاولةٌ لاستنطاق الحسرة واجترارها، وإضفاء صفة الشرعية على مفهوم الحنين- إلى ما كان وما لم يكن..إنه ليس إلا محاولة لبعث حزنٍ ما واستيلاد البكاء عليه..

البحث عن فرح هو بحثٌ عن ذرات رمال تردم ثقوب العُمر الصدىء..

لحظة فرح مبررٌ للوجود..دمعة فرح سببٌ لركوب الموج وقتال الرعد..

ذكرى فرح كفيلةٌ بسدّ الرمق في مواسم الجوع والوحدة..

الانخراط في لحظة فرح طيٌّ لصفحة الماضي، انهماكٌ في الحاضر وتوحدٌ به،  وتغاضٍ عن المستقبل..حتى إشعارٍ آخر..

الانخراط في لحظة فرح كالانخراط في البكاء..نُسلَب فيه جميع أدواتنا المسيطرة على الزمان،  فنصبح معزولي الإرادة، لا نملك إلا الانسياق للحظة وتنفيذ إرادتها..

لحظة الفرح تغتصب وجودنا منا وعلى مرأى منا، فنصبح أشبه بورقة شجرٍ لا تملك سوى الانحناء لإرادة الريح والرضوخ لنسيان المدى..

***

بالرغم أن لحظات الفرح تبدو مهيبة جليلة غير قابلة للخضوع لقانون الفناء أو الأفول، كما تبدو الشمس وهي محتلة جبل الضوء ونافذة المدى…

بالرغم من ذلك فإن لحظات الفرح سريعة الذبول..وكأنها طيرٌ خرافي يُحلّق صوب أقصى السماء، ثم لا يلبث أن يسقط صريعاً حالما يلمس نهايتها..

فكما يأتينا الفرح فجأة، فإنه يخوننا فجأة..مصّدقاً على الفلسفة التي تقول بتلاشي الأشياء المدهشة سريعاً كمباغتتها السريعة، كانطفاء حبّات ضوء القمر حينما نقبض عليها بين أصابعنا..

يقول محمود درويش :”علموك أن تحذر الفرح، لأن خيانته قاسية. من أين يأتيك فجأة ! ”

إن خيانة الفرح قاسية، لأن لحظاته وذكرياته تنسّل من الذاكرة كما تنسلّ كتل الضباب من بين أنياب الشجر..

فلحظات الفرح بلا أجنحةٍ تكفل لها الحياة من أجل اختيار حرية الريح أو اقتحام الغيم..

أما ذكريات الفرح فدائماً تجد منافذ سريّة تتسرّب منها إلى النسيان..فهي قادرة دوماً على ملء غرف النسيان والانجراف إلى بحره..

وتظل الذاكرة مكتظة بأحزاننا،  تتدلّى منها أذيال جلودنا وأوجاعنا، وتتهدّل خلفها بقايا جراحنا..

لذلك تبدو ذاكرتنا وكأنها حِكرٌ على أحزاننا..ولذلك يبدو الفرح بلا ذاكرة –كما يقول محمود درويش..

فالذاكرة كأنها نوعٌ من التصريف الصحي، نُلقي فيه جميع أوساخنا النفسية وكل مخلفّاتنا المقززة التي لا نرغب في بعثها للحياة..

ولكن تلك الأوساخ لا تتوقف عن الحركة والسير في مواسير لاوعينا، فإذا بنا نتفاجأ بمطاردتها لنا، كما تطاردنا دماؤنا داخل شراييننا..وبدلاً من أن نتخلص منها، إذا بها تتلبسّنا وتُحكِم قبضتها على أطرافنا..!

***

الألم- على عكس الفرح-يقطع علاقتنا بالزمن، ويبتر وجودنا عن جسد الكون..

الألم يحرمنا من اللذة التي يهبنا إياها الفرح من الانقضاض على اللحظة والانفجار فيها، وامتصاص كل ما فيها من نشوة ومغامرة ومجهول..

الألم يُفصّل لنا اللحظة ويخيطها لنا، ولا يطلب منا سوى أن نُدخل جسدنا فيها، فيحرمنا من متعة التجربة وتعددية الاحتمالات والنتائج..

لحظة الألم تتقدم إلى عرباتنا وتمّد جسدها أمامنا وتطلب منا ألا ندوس خارج البساط الذي يؤدي إلى دربها..

أما في حالة الفرح فإننا نغتصب اللحظة من الزمان ونخنقها ثم نعتقلها داخل قارورة زجاجية نُسميّها (النشوة)..لكن القارورة لا تلبث أن تغدر بنا وتتدحرج من أيدينا دون أن نشعر، فيلتهمها بحر النسيان.

***

في كلتي اللحظتين-لحظة الفرح ولحظة الألم-نُسلَب إرادتنا..لكن الفرق بين الحالتين هو أننا في لحظة الفرح نُسلَب إرادتنا بإرادتنا..وكأنما نُغمض أعيننا بعد أن نُقرر أن نستسلم لتيار اللحظة والانغماس في ذاتها..

أما في لحظة الألم فإننا نُسلَب إرادتنا بدون إرادتنا..إننا نُجّر جّراً حتى نَمثُل في حضرتها ونُجبَر على المشي على جسدها، وكأننا نمشي على أرضٍ مزروعة بالألغام..

ونحن كبشر أكثر قدرة على تذكّر عجزنا وحرماننا وتكبيلنا داخل لحظة ألم..نحن أقدر على تذكّر اللحظات التي لم نعشها ولم نغتصبها ولم يسحقها وجودنا..

لهذا نحن قادرون دوما على اجترار آلامنا حتى نهاية أعمارنا..ولهذا أيضاً يستعصي علينا استحضار لحظات الفرح…ولهذا في كثير من الأحيان نجدها ذابت وكأنها لم تكن..!

لذلك نحن أقدر على نسيان لحظة فرح عشناها واستنزفنا ذاتها بكافة الأشكال والاتجاهات…

***

ومع أن الذاكرة والنسيان يقفان على شاطئين متعاكسين، إلا أن الذاكرة لا تفتأ تُخبىء جيوباً سرية للنسيان وتحجز له مقاعد موارِبة فيها..ويظل النسيان حابلاً بحقائب الذاكرة وأغراضها الشخصية وتفاصيلها المنسية..

فالذاكرة مهما امتلأت فإنها تُسقِط سهواً- أو عمداً- الكثير..والنسيان مهما تناسى فإنه لا يستطيع أن يُغفِل الكثير…!

وهكذا تتأرجح الخطوات بين الذاكرة والنسيان ويظلان يتلاقفان الفرح والوجع وهما في الحقيقة لا يقومان إلا بدورٍ واحد-معاندتنا، ولكن بأسماء مختلفة وأقنعة متباينة..

فالذاكرة تضجّ بكل لحظات الألم التي نريد أن ننساها، لكنها تأبى أن تُنسَى..وإلى النسيان تتسرّب لحظات الفرح التي لا نريدها أن تنقضي، لكنها تأبى إلا أن تقضي..!

وفي النهاية ومهما اقترب الفرح أو ابتعد عن الذاكرة أو النسيان، ومهما اقترب النسيان من الذاكرة أو اقتربت الذاكرة من النسيان، يبقى الفرح الحلم الأزلي الذي يُداعبنا ويستدرجنا إلى الحياة ويستجلب لنا الصبر..وإن كانت خيانته قاسية..!

المدينة المنورة

يوم الثلاثاء

22/7/2003

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s