قرار بالحنين…


2231224056_856db36e40

أحيانا نقرّر الحنين، كما نقرّر السفر إلى المنفى أو الهجرة عن الوطن…

نقرّر أن نحّن إلى الماضي، عندما يَلفُظنا الماضي ونصبح مجرد ذكرى في ذاكرته…!

نقرّر إعادة التنقيب فيه وسبر مغاوره، وكأننا سنقوم باكتشاف مخطوطات أثرية أو جثث محنّطة بين أحشائه..!

تسيطر علينا تلك اللذة، لذة تخليد الذاكرة وتدوين التاريخ…

وتُغوينا شهوة الرغبة في البقاء وإخضاع قوانين الزمن لسيطرتنا، ولو مؤقتاً…

أحياناَ نقرّر الحنين عندما يهجرنا الماضي ويستعصي علينا استحضاره…

وأحياناً نقرّر الحنين عندما تُقفِر أيامنا وتعجز رئاتنا عن تجديد هوائها كل صباح…

حينها يصبح الحنين قراراً لا بد منه، في وقتٍ لا نملك فيه إلا تنفيذ قرارات لم نتخذها ولم نكن لنتخذها..!

وهل خيباتنا وانتصاراتنا إلا مجموعة قرارات لم نتخذها ونفّذناها قسراً على أنفسنا، أو نُفّذت قسراً علينا ؟!

***

أحياناً يكون الحنين حيلةٌ لتجاوز الوحدة في قطرات نداها الأولى..

وأحياناً يكون الحنين رَحِماً نختاره، ليحبل بأحلامٍ جديدة مستحيلة يستحيل علينا العيش دونها، ودون استحالتها…!

القرار بالحنين هو رغبةٌ في تبنيّ أكذوبة حياتية جديدة، أكذوبة أكبر وأكذب من التي قبلها..!

القرار بالحنين هو الوصول إلى حقيقة أن رحلة الحياة الطويلة لا بد لها من رزمة أكاذيب، تسدّ الرمق قبل الوصول إلى الفرح الكاذب…!

القرار بالحنين هو قرارٌ بالحياة…! وبالحب.. مدى الحياة..!

***
عندما نحّن إلى (بكاء) حبنا القديم فنحن نحّن إلى نشوة الحب السرية…

أما حين نحّن إلى حبنا القديم فنحن نريد أن نبعثه من جديد، لأننا ندرك تماماً حقيقة موته…

الحنين هو اعترافٌ صريح بحقيقة الموت واستدراجٌ خفيّ لغواية الحياة…بتقبّل أكاذيب الحب..!

الحنين معادلةٌ ممزوجة بالعقل والجنون…هو إدراك كامل للحقيقة ورغبةٌ جارفة في القفز فوقها والتحرر من قيودها…

إنه يعكس مفارقة الإنسان المأساوية مع الحياة، كونه يعي حقيقة فنائه المحتوم،  وكونه لا يفتأ يرصد ذاته في كل زاوية من زوايا الكون، ليضمن أن الريح لن تُبعثر اسمه..!

إنه عبقرية التعامل مع عناصر الكون بموضوعية بحتة، تنظر إلى كل عنصر بشكلٍ مستقل يرُاعي طبيعته…

واقعية مع الحقائق، وطموح لانهائي مع الأحلام، وإن كانت مستحيلة؟!

فهو يُدرك حقيقة استحالتها، ولكنه لا يتورّع عن بذل كل أجزاء نفسه للسفر وراء خيالاتها…؟!

***
الحنين لا يُعذّب، لكنه يؤنس غربة الجبال في حضن المغيب…

فالحنين تقبّلٌ كامل لرحيل الماضي، إلا أنه محاولةٌ للتهادن معه و التحايل على الواقع…!

إنه تقريرٌ بعدم التنكّر للماضي واحترام قوانين الحاضر وجذب المستقبل بمغناطيسية الأكاذيب والأوهام…!

و قد يكون الحنين محاولة لاستنطاق الماضي والعبث بجسده وإعادة صياغته..

قد يكون محاولة لاستغلاله لصالح أوراقٍ بيضاء وقلمٍ عاطل…!

قد يكون محاولةٌ للتسلية والمقامرة على أوراق العمر المتشابهة..

أو محاولةٌ للإبحار إلى جُزر ذواتنا التي أُقصينا ونُفِينا فيها..

وأحياناً يكون الحنين رغبةٌ في مسح بصمات أيادٍ قذرة وجروحٍ متخثرّة عن العمر والذاكرة..

***
الحنين “وعكة صحية”- كما تقول أحلام مستغانمي..

الحنين وعكة عندما نقرّر الشفاء التام من داء الأحبّة والوقوع في مرض الحب، مع سابق الإصرار والترصّد..!

الحنين خوفٌ من قصص جديدة للحب، قصص باهتة ومتعبة…!

إنه تمديدٌ لتاريخ صلاحية قصص العشق المستحيلة..!

الحنين مصلٌ ضد الخيبات الروتينية والهزائم السرية الصامتة..

الحنين هروبٌ من الحب…إلى الحب…! وقفزٌ من حضن الواقع الحارق والاحتماء بظل الحب المتأرجح..!

***
اليوم وأنا أكتب عن الحنين، أتساءل إن كنت أكتب عنه أو أني أكتبه؟!

اليوم وأنا أفلسّف منطق الحنين وأتفلسّف به اسأل نفسي :لأي سببٍ تحنّين ؟!

اليوم أُدرك أني قررتُ الحنين إلى حبك عندما كتبني الحنين في هذه المساحة البيضاء..

اليوم وإن كنتٌ حائرةٌ في دافع حنيني، إلا أني أُدرك تماماً أني لا املك غيره خياراً..

فقرار الحنين هو قرارٌ بالسفر المؤقت إلى الماضي لهجرته نهائياً، وبدون عودة…!

واليوم أدرك أني أُرواغ نفسي وأتفلسف بكل هذه المقدمة لأبرّر قراراً صريحاً بالحنين…!

 الخميس

24/4/2003

المدينة المنورة 

Advertisements

One thought on “قرار بالحنين…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s