الهوية..وثيقة أم حياة؟..


identity_crisis-291x300

الهوية..وثيقة أم حياة؟..

هبة البيتي

الصوت الذي دائماً يتردد في رأسك وأنتَ تتجول بين الناس هنا، هو: (أنتَ مختلف)، في البداية سيكون هذا الصوت مستفزاً جدا وسيمنعك  من أن تكون على طبيعتك  في تعاملاتك الاجتماعية. والارتباك في الحياة الاجتماعية خاصة في بلد ذي ثقافة جديدة  ومتنوعة، يؤدي إلى أخطاء لغوية واجتماعية كبيرة، والتي بالتالي تهز الثقة بالنفس وفي قدرة الإنسان على أن يعيش في مجتمع مختلف.

والإحباط  لا يمكنه أن يقودك إلى إمكانية التفكير في  أن تنعزل عن المجتمع هنا فالانعزال هنا قرار يصعب تنفيذه حتى إن كنتَ على درجة عالية من العناد الصبياني، لأنه من شبه الاستحالة أن تظل متشبثاً بالفوبيات الاجتماعية في مجتمع منفتح  يرفض إلا أن يستفيد من الخلفيات الثقافية التي ينبض بها مجتمعه، ليبني الصورة العامة للثقافة الأمريكية.

في هذه الحالة سيكون وضعك كوضع شخص لديه فوبيا من الكلاب، ويجد كلباً أمامه في حين أن النهر من خلفه.كذلك الشخص، لن يكون أمامك مفر من أن تتقبل وجود الكلب وتبدأ في إيجاد صيغة للتعامل معه بشكل لا يؤذي وجودك ولا يتعدى على حقه أيضاً. فحالما تتقبل حقيقة اختلافك، وتمتلك الثقة الكافية والرغبة الحقيقية في تعزيز وجودها، تكون قد بدأت في الإمساك بطرف اللجام. حينها، ستجد نفسك أمام تحد صعب، وهو أن تجعل (الآخر) أيضاً يتقبل حقيقة اختلافك عنه، وهذا لا يحصل إلا بتوفر إيمان بحقك في أن تكون ذاتك وأن تعبر عن نفسك بحرية كاملة، كما انه يتطلب ثقة عالية بالنفس وقدرتها على فرض ذلك الاختلاف على الآخرين.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في صراعك بين  رغبتك في إعلان هويتك و بين خوفك من إظهارها، حتى لا تُعتبَر محاولة لتعزيز الاختلاف أو رغبة في التوقف عنده، إنها تبدأ فعلاً حينما تُحاول إيجاد(هوية) مستقلة لنفسك.الصراع الأكبر يبدأ حينما تسأل نفسك :  (مَن أنا؟ )، ولا تستطيع أن تصل إلى جواب مقنع، حتى لو مددتَ أمامك قوائم الأيدلوجيات التي تربيت عليها، أو حتى التصنيفات القُطرية و القومية والدينية المتداولة بين الناس. العروبة بالتأكيد تجري في دمك حتى أنك تكاد تشعر بصوت (حاتم الطائي) داخلك في كثير من الأحيان. الثورة على عادات (الجاهلية) والرغبة في الانسلاخ عنها، تتمثل في نقدك لأوضاع مجتمعك ونزوعك للخروج عن منظومتها. غضبك الشديد حينما ترى بعض أبناء بلدك يتصرفون بصورة يُمكن أن تعمم على المجتمع أجمع، تُجسد حرصك على صورة بلدك ووطنيتك التي ترفض التصريح بها أو حتى الاعتراف بها لنفسك.

أن تكون مصنفاً في الوثائق الرسمية أنك: عربي مسلم، ليس كافياً لتستطيع أن تحدد ملامح هويتك. أن تعرف مَن أنت لا يعني أن تعرف البلد التي تنتمي لجبالها وناسها وتقاليدها، ولا يعني أن تعرف تعاليم دينك التي تؤمن به وتمشي وفقها، كما أنه لا يعني أن تعرف تفاصيل تاريخ قومك ورحلاتهم وحروبهم. فكل ذلك ليس سوى جزء أو ملَمح من الشكل النهائي لهويتك.

أن تعرف مَن أنت، يعني أن تكتشف ذاتك من جديد، ولكي تكتشفها لابد أن تتمتع بالحد الأدنى من  التصالح معها الذي يقتضي الرضا عنها. وبما أن الإنسان مخلوق من تراب ويسعى دوماً للمس أطراف السماء بأنامله، فإن الوصول إلى الرضا التام عن النفس شيءٌ يصعب تحقيقه بالنسبة له، إن لم يكن ذلك مستحيلاً.  لذلك ليس هناك بد من ضرورة إشباع رغبة الإنسان في استكشاف العالم من حوله والتعرف على العلاقات القائمة بين عناصره كوسيلة لمعرفة الذات واستكشاف مكنوناتها وطاقاتها. أن تحدد هويتك ,يعني أن تعرف موقعك بين عناصر الكون، والمساحة التي يشغرها وجودك بين إخوانك من بني البشر. لا يكفي أن  تصل للدور الذي لابد أن تلعبه في هذه الحياة  أو الشيء الذي يمكن أن تحققه للبشرية مهما صغر أو كبر، لكي تحدد هويتك.

لكي تحدد هويتك، لابد أن تعرف الإنسان الذي يكمن فيك ,طبيعته وتكوينه، غرائزه ونوازعه، انفعالاته وسلوكياته. ولكي تعرف نفسك، لابد أن تكون (أنت)، بكل أخطاء ماضيك ـ لكي تتفاداها، وبكل محتوياتك ـ لتكتشفها،  وبكل (احتمالاتك) التي يمكن أن تكون..احتمالاتك التي يُمكن أن تكون (أناك)ىالجديدة، (أناك) التي تنتظرك لتجمع كل ملامحك في مرآتها..

أوكلاهوما سيتي ٢٠٠٨

* نٌشِر في زاوية (خواطر مُبتعَث) بجريدة الوطن السعودية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s