رفقاً بالقوارير


كما هو معروف للجميع فإن نظام الابتعاث يقتضي وجود محرم لكل مبتعثة، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، ومن البديهي أن الكثير من الشباب العاطلين استفادوا من قبول زوجاتهم وأخواتهم في برنامج الابتعاث، فبعد أن كانوا ينِشون الذباب، وينتظرون رحمة شركة أو جامعة، أصبحوا تحت برنامج الابتعاث مع تأمين طبي شبه كامل وراتب شهري، وإن لم يكن كبيراً، إلا أنه يكفل للشاب الاستقلال المادي أو حتى الشخصي على الأقل.
من ضمن الأشياء التي استوقفتني في هذا الموضوع، أن معظم الإخوان المرافقين للمبتعثات أصغر من أخواتهم! لا أدري إن كانت هذه الحقيقة مجرد مصادفة، لكن وإن كانت كذلك، فإنها مصادفة تستوجِب التأمل بحكم تكررها وازديادها.

ولأنه من الصعب الحكم بدقة على تفاصيل هذا لعدم توفر المعلومات الإحصائية الكافية في هذا الشأن، فإنني سأكتفي باستنتاج عام بسيط، وهو أن الرغبة في الدراسة في الخارج تزداد بشكلٍ مخيف بين الشباب الذي قد تخرّج للتو من الثانوية العامة. إن لم يكن ذلك ضمن خطة معظم شباب المرحلة الثانوية.

ذلك يؤكد حقيقة عدم ثقة الشباب في نظامنا التعليمي، وقدرته على تقييم وتقدير مواهبهم، أو حتى إخراجها إلى النور، والسؤال هنا: ماذا نتوقع من شبابٍ لا يثقون في نظامهم التعليمي، ولا يتوقعون منه احتواءهم أو إرضاء احتياجاتهم؟!

ماذا نتوقع من شبابٍ يُدركون أنه مهما كانت تجربتهم قاسية مع أنظمة وقوانين الهجرة الأمريكية، إلا أنها ستكون أقل سوءاً حينما يرجعون بشهادةٍ مختوم عليها بختمٍ أمريكي مهما كان ما كُتب تحتها!

لا ألوم الشباب، ولستُ بصدد مناقشة الأسباب التي أدت إلى ما نحن عليه اليوم من استياء، وعدم ثقة في جهود وزارة العمل غير المثمِرة. قبل ذلك كله أود أن أخوض في موضوع خطير جداً، وهو اهتزاز ثقة هؤلاء الشباب بأنفسهم، وشعورهم بعدم جدواهم الذي قد يؤثر على اتخاذ قراراتهم الحياتية المصيرية.

فعندما يرون تكرار عدم رغبة المؤسسات التعليمية والاجتماعية والمهنية في استثمار طاقاتهم ومواهبهم. فقط لأنهم لم يُحققوا النسبة المئوية التي تطلبتها تلك المؤسسة، فإن ذلك يُصيبهم بداء الإحباط.

قد يعتريهم الغضب في البداية. لكن مع تكرار تجرعهم للرسالة الضمنية التي يتلقونها من جميع مؤسسات المجتمع، فإنهم يبدؤون بالشعور بالدونية، مما يُقلل احترامهم وتقديرهم لذواتهم، وشخصٌ لا يستطيع الاعتداد بنفسه أو رؤية إمكاناته المكبوتة بطريقة إيجابية، لابد أن ينعكس ذلك على أدائه الدراسي والاجتماعي عموماً. خاصةً في ظل ثقافة جديدة بعيدة كُل البُعد عما نشأ عليه.

وهكذا ولا إرادياً تجد معظم الشباب المرافقين لأخواتهم المبتعثات يميلون إلى اتخاذ موقفٍ سلبي تجاه حياتهم بشكلٍ عام، وتجاه دورهم الاجتماعي في مشاركة أخواتهم الحياة، فالواقع أنه بحكم مشاركة الإخوة والأخوات في السكن والاحتكاك المباشر بهم في كل تفاصيلهم الحياتية، وحتى مجرد فكرة ارتباط مصائرهم ببعضهم تجعل علاقتهم أشبه بعلاقة الزوجين، وهذا وحده يجعلها معرّضة لكثير من التوتر والحساسية بحُكم تعقيدها.

فقد يشعر الأخ أن أخته قد قصرت معه إذا قررت أنها لا تستطيع إعداد وجبة من الوجبات، وهي بالتالي ستستطيع أن تستشف ذلك، وستبدأ في تصيّد النقاط التي يُقصر هو فيها نحوها، وهكذا تبدأ الحزازيات من تحت الستار، إلى أن تُصبح مشاحنات مكشوفة يكون فيها تبادل للتهم، ومحاولة لإلقاء المسؤولية على كتف الآخر، وتُخفف من العبء النفسي لها، وهكذا تستمر هذه الحلقات من إلقاء اللوم وتبرئة الذمة، مما يزيد من ضغط الحياة، ويجعلها تبدو أضيق من خُرم إبرة، وكل ذلك يؤثر على الأداء الدراسي والحياتي لكليهما.

أعتقد أن المشكلة تكمن في أن كلا الطرفين لا يُدرك مدى معاناة الطرف الآخر في التأقلم مع طابع الحياة الجديدة، وبناء ثقته في قدرته على لعب الأدوار الحياتية الكثيرة والمختلفة التي تفرضها ظروف التجربة الجديدة، فكل طرف يتوقع من الطرف الآخر مساندة معنوية، ومشاركة فعلية، دون أن يتفهم أو يُدرك الصعوبات التي يُمر بها الآخر لضبط نفسه، والسيطرة على عاداته السيئة، والتأقلم على مواجهة عيوبه باستمرار قبل أي شيء.

لابد أن نعترف كمبتعثات أننا نحتاج مزيدا من التفهم لحقيقة أن إخواننا لأول مرة يشعرون أن سلوكهم وجميع مواقفهم الحياتية لها تأثير مباشر على مستقبلهم وحياتهم الاجتماعية بشكلٍ عام.

لأول مرةٍ يشعرون أن الأبواب مفتوحة أمامهم، وهم في حالة ارتباك وحيرة كسجينٍ يُطلقون سراحه على حين غفلة. لأول مرةٍ يُدركون أن قراراتهم قادرة على تحديد مصائرهم، وأن وجودهم قادر على التأثير بشكلٍ أو بآخر.

بالمقابل لابد أن يتفهم الشباب أن فكرة انفتاح الشابات على الحياة العملية بشكلٍ كامل مهما كانت مرغوبة إلا أنها مخيفة، خاصةً أنها تجربة جديدة وغير متوقعة بالنسبة لنا، فالحقيقة أن معظم الفتيات بالرغم من حلمهن منذ الطفولة بالاستقلال واتخاذ قرارات حياتهن وحدهن، إلا أنهن لم يكن يتوقعن أن ذلك سيحصل، ربما لفقدهن الأمل في ذلك. تجربة كتجربة القيادة مثلاً لابد أن تكون مخيفة للسعوديات، لأنهن لم يتخيلن إمكانية حصولها، كما يفعل الصبي الصغير عادةً حينما يرى أباه يقود سيارته. تحمل مسؤولية تدبير مصاريف بيتٍ كامل، هذا عدا تحمل معظم الأعمال المنزلية التي تحملتها الخادمات عنا في السعودية. الشؤون الدراسية وتحديات الثقافة واللغة، كل ذلك ثم يتوقع إخواننا أن وضعهم سيكون كوضعهم في بيوتهم في السعودية. يتوقعون أن نقوم بدور الأخت الكبرى والزوجة والأم. فقط لأننا المبتعثات وهم المرافقون. فقط لأننا أكبر سناً!

كلمة أخيرة أقولها: هؤلاء الشابات اللاتي ترونهن مشتعِلات بالتحدي والإصرار، كن يعشن على هامش المجتمع، هؤلاء الشابات كنَ يعشن على هامش الحياة، فرفقاً بالقوارير!

نُشِر في زاوية (خواطر مبتعث) بجريدة الوطن وفي موقع (صوت المرأة السعودية).

يوليو ٢٠٠٨

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s