صوّر.. تطلع “البعثة” أحلى


112
صوّر.. تطلع”البعثة” أحلى..! *

ذاكرة المغتربين عموماً والمبتعثين خصوصاً دائماً ناقصة. فهم دائماً يشعرون أن تجاربهم الجديدة لن تكتمل إلا بمشاركة أو بتواجد مَن يُشكلون جزءاً لا يتجزأ منهم. لذلك تجد دائماً غصةً ما تنتابهم حينما يرون أو يُجربون ما يُثير دهشتهم أو يستثير عواطفهم أو حتى ما يُحرك سكون وضجر أيامهم. فيُبادرون باستدراك الموقف ويُحاولون أن يجعلوا هؤلاء الذين يُشكلون ماضيهم وذواتهم الحالية، عنصراً فعالاً في تشكيل وخلق ذواتهم وانطباعهم لواقعهم الحالي. وهكذا تجد كل واحد من الطلاب يُحاول بطريقته أن يُشرِك أصدقاءه وذويه في اختيار السطر الذي يُريد أن يتوقف عنده في صفحة تجربته الحياتية الجديدة. فالبعض يُصبح مهووساً بالتقاط الصور في كل مكان وفي أي وقت، ليس فقط حينما يرى شيئاً يعتقد أنه قد يستهوي أحد أصدقائه أو أحبائه، لكن حتى عندما يشعر أنه غير قادر على استيعاب أو الإلمام بكل أبعاد الصورة، لاختلاف دلالاتها وتعدد زواياها. فمجرد شعورهم أن تواجد الغائبين بإمكانه أن يُثري تجربتهم الشخصية على أي صعيدٍ كان، ذلك الشعور قد يمتد أحياناً ليصل أقصاه حينما يشعر أن تجربتهم لن تكتمل إلا من خلال معايشة أولئك الأشخاص لها وإن كان من خلال الصور.

هوس معظم الطلاب بالتقاط تفاصيلهم الحياتية الصغيرة قد يكون من باب الحرص على الوفاء لذاكرة الغائبين، أو ربما يكون رغبة في تكثيف التجربة من خلال معايشتها من خلال الذات ومن خلال (الغير) الذي هو جزء من الذات. وقد يرتبط بطريقة لاإرادية بشعور المبتعثين أن تواجدهم في ذلك المكان مؤقت وأنه ليس سوى محطة ترانزيت قبل أن يرجعوا إلى رتابة حياتهم القديمة، لهذا تجدهم وكأنهم يُريدون أن يُحنطوا ذكرياتهم وأن يُوثقوها لكي يرجعوا لذويهم بحقيبةٍ مممتلئة بما يكفي من الحكايا لبقية العُمر.
أما بالنسبة لاختيار المبتعثين الصورة تحديداً لتكون وسيلتهم لخلق ذاكرة جديدة مشتركة بينهم وبين أحبائهم، فذلك لأن الصورة من أصدق وسائل التعبير عن الواقع ومن أكثرهم حيادية. بالرغم من ذلك، فإن الصورة يمكن أن تكون ذاتية إلى حد بعيد وإن كانت تعكس الواقع. فالزاوية التي يختارها المصور هي التي تُعطي الصورة هويتها والرسالة الضمنية التي يُريد أن يُوصلها المصور. كما أن الصورة المرئية من أكثر الوسائل حياةً، لأنها قادرة على ربط الماضي بالحاضر، من خلال إلغاء حواجز الزمان والمكان، ومن خلال تحفيز المخيلة واستنطاق صندوق الذكريات. وحالما تُنثَر صور الذاكرة على صفحة الحاضر، فإنها تُصبح جزءاً من ارتباطهما ببعضهما وكون كل واحدٍ سبباً في وجود وتكوين ماهية الآخر.
أعتقد أننا لن نستغرب أو نُسيء الظن بعد ذلك حينما نرى صفحات الفيس بوك والصفحات الشخصية المشابهة مليئة بصور الطلاب الذين يُفكرون في إرسال الصور وتحميلها على المواقع المشابهة ليُشاركوا الغائبين فيها، ربما أكثر من تفكيرهم في عيش التجربة نفسها. فإذا رأيتَ في شوارع أمريكا شخصاً يُعلق كاميراته في إصبعه الصغير ويرى خطوات قدميه من خلال عدسة كاميراته أكثر من عينيه، فلا تعتقد أنه سائحٌ ياباني لأنه بالتأكيد سيكون مبتعثاً سعوديا.!
فأعظم ما يحلم المبتعث بالرجوع به هو حقيبة محملةٌ بعناقيد صورٍ معبقةٌ بالحكايا..
  هبة البيتي (أوكلاهوما)
*العنوان على وزن عنوان الفيلم المصري “اضحك.. تطلع الصورة أحلى..” للفنان أحمد زكي.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s