مُحاكَاةً لِفَتِيل القافية…!


 

589px-Bijenwaskaars

دائماً ما أجدُني أُروِاغ النهايات، بدون وعيٍ مني في معظم الأحيان..أكره الوصول إلى منتصف الكتب، لأن هذا يعني أنني أقترب من نهايتها..لذلك أتلكأ كثيراً قبل أن أضطر أخيراً إلى الخروج من البيت- الكتاب الذي عششتُ فيه طويلاً، وقبل أن أقرر أن أصل إلى مرحلة (الحميمية) مع كتاب جديد بعد أُلفَة غلافه، ملمسه، وعالمه.. حتى لحظات الوداع أكره أن أدعها تمرّ بي، و إن حصل، فإنني أبلعها على عجل مع تحاشي أي سقوط في هاوية (الذاكرة).. وبما أن الحياة هي قطار طويل يدخله الكثيرون، ويخرجون بسرعة ليتركونا وحدنا نُنصت لهديره الرتيب، وبالرغم أننا نعلم أن ذلك الهدير لابد أن يتوقف يوماً إلا أننا نتناسى ذلك، لأنه سيعني أن (النهاية) قد حانت..!

لذلك دائماً كنتُ أقفز على لحظات الوداع، وكأني أرفع رقبة ذاكرتي فوقها، لكيلا تعلق بها التفاصيل الأكثر شراسة.. وبالرغم من أنني أتجاهل النهايات دوماً وأحاول أن أتعامل معها على أنها ليست موجودة من الأساس، بالرغم من ذلك أقع دائماً فريسة خوفي منها..!

هكذا أدرك ببساطة وبعد مماطلة أنني مُصابة بهاجس النهايات.. لذلك أترك الكثير من الكتب قبل أن أنهيها، ولذلك أيضاً أرضى أن ألثم قدميّ الهزيمة على أعتاب النصوص الكثيرة التي أخاف أن أصل بها إلى نهايتها..! لذلك أكره– إلى حد الذعر- رؤية اكتمال بزوغ مملكة الصباح بِانبلاج قُرص الشمس، بالرغم من عشقي للتخلّق على يديّ همسات الفجر وشقّ الضوء..! لذلك أُوقِف الغائبين على شُرفَات الحضور، وأضع الحاضرين على عتبات الغياب..! لذلك أكتفي في كثير من الأحيان بودَاعَات هي أشبه باللقاءات، لا تُترجِم أي نهاية، ولا تنّم عن تشميعٍ لأي باب من أبواب الذاكرة..! أحيانا أفكّر في أنها قد تكون صفةً اكتسبتُها من معاشِرة الشعر-بصفة خاصة..

الشعر، ذلك التوتر الدائم الذي يسكن الحروف ويفتحها على جميع الآفاق دون أي رغبةٍ في وصولها إلى أي نهاية حقيقية.. الشعر :خَلق احتمالاتٍ لا تؤدي إلى اليقين، بل إلى مزيدٍ من الشك.. هل يُمكن أن يُصيبنا الشعر بعدواه فلا نفتأ نُحاول مَنطَقة كل (لا منطقيتنا)..؟! هل يُمكن أن يسكننا هاجس الشعر لدرجة أن نتعامل مع ذاتنا وكل أوجه حياتنا، بمنطق (اللامعقول) المفتوح على تعددية القراءات من كل الزوايا؟! هل يُمكن أن نصل إلى مرحلةٍ من (التجرّد) و(الموضوعية)- أو ربما العبثية- لنصبح قادرين على التعامل مع ذواتنا وكأننا نفكّك رموز قصيدة؟!

قد ألجأ إلى منطق الشعِر هنا، لأتوقّف عن البحث عن أجوبةِ لأسئلتي وأسئلة الكون التي لا تنتهي..سألجأ لمنطقه لكي أبثّ النار في برودة البياض، دون أن يهمني إلى أين ستصل حمم حروفي المتهيّجة بشكوكها.. سأستعير أسلوبه وأُلقِي كل ما في جوفي لأحررني وأحرره، ودون أن يعني هذا أن لَفظ ما أمتلئ به من كلمات هو نهايتها..!

سألتقط ذلك الحبل اللامرئي وأرمي به على أرصفتكم، دون أن يعنيني إن كان سيعرقل فكركم أو ذاكرتكم بعد ذلك..! إنه ما قاله (محمد الحميد) في أحد نصوصه: “الأنصاف وحدها من لها بقية الاكتمال”..! هذا هو هاجس النهايات التي أشرتُ إليه..أن تصل إلى مرحلة (الاكتفاء)، ذلك يعني أن الموسم قد انتهى، وأن الأوراق الراحلة لن تجد لها سبباً للهبوب في المواسم القادمة..! قال لي أحدهم مرةً، أننا إذا كنا عطشى وأوصلنا أنفسنا إلى نقطة الارتواء أو التشبّع، فقد حكمنا على أنفسنا بالنهاية لأننا نكون قد فقدنا( لذة الارتواء)..!

هكذا أجد نفسي أرى كافة أوجه الحياة بنفس هذا المنطق..فنحن نفقد لذة (الأكل) حالما نُتقِن طلق رصاصة (الشبع) في بطوننا..نحن نفقد لذة (المشي) حالما نُخدّر أرجلنا بمصل (التعب)..نحن نفقد قيمة (الوقت) حينما يتعلّم هاجس (الانتظار) أن يسكننا..نحن نصل إلى فقدان أي صلة بذواتنا حينما نستنزف كل طاقتنا للتقرب منها..كل شيء يصل إلى نهايته حينما يقترب من (الاكتمال)..وكل( نهاية) تُلزِمنا بالرضوخ لذلك (التقبّل) المستكين الذي يلفّها..والتقبّل هو في أوله وآخره هو معاشرة للموت، لأنه يكسر صهوة (التمرّد)، التي هي أساس كل (ثورة) ومنبع أي( حياة)..

لذلك نحن نحتاج دائماً ألا نصل إلى إشعال النار، بل أن نبقى على أهبة (الإشعال) أو (الاشتعال) دون أن نصل إليه..! نحتاج أن نُبقي فتيلاً واحداً دون أن نقترب منه، لنضمن عدم وصولنا للنهاية التي سيكون بها (موتنا)..نحن نحتاج ذلك (الفتيل)، ليس لأنه سيُشعَل يوماً ويُشعِلنا معه، بل لأنه الوحيد القادر على إيصالنا إلى نشوة (الاكتمال) دون أن (يُنهينا) بها..ذلك الفتيل غير المكتمِل هو الذي يحضّنا على التؤجج ب(شهوة الاكتمال)، فنكتمل داخلنا، دون أن نقطع (حبل) اكتمالنا بالوصول إلى (الاكتمال)..ذلك الفتيل: حبلٌ يغمرنا في لذة (الوصول) دون أن يشنقنا بصدق (أكذوبة) الوصول..!

لولا أننا فقط نُحاكي سياسة الشعراء مع قوافيهم، لولا أننا نُبقي على ذلك الفتيل على أعتاب كل نهايات الحياة..لولا أننا نُصبِح كتلك القافية؛ قنبلةً موهومةً قادرة على نسف كل القصيدة، لكنها أبداً لا تفعل، لأنها تُوقِن أنها ليست سوى ( البداية)..!

فجر الاثنين
 14-11-2005

المدينة المنورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s