مابين أمي وموسم حزني..!


image004

مابين أمي وموسم حزني..!

واكتمل موسم الحزن…

ونُذِرَت بقايا الأنفاس للخيبة الثائرة…والراضخة…!

هبط موكب الحزن واكتمل موسم السفر الأبدي…

تحولت الثورة إلى صراخٍ نائح…وتحول النُواح إلى سخريةٍ صارخة…!

وذاب اللوم في كومة الكآبة الملتفة على نفسها في دورانٍ لا نهائي…!

ووُزعّت الأحلام الطالبة لجواز سفر…

وُزعّت الأحلام الحالمة فقط بالانتظار على أرصفة النوم…!

وُزعّت كأكياس القمامة لكل بيت ولكل زواية مهجورة…

أيا وطناً يُوزّع الأحلام المُجهَضة بالمجان…

متى تكّف عن التناسل في الرمال ؟!

ومتى تكّف عن السفر مع حدود الريح؟!

أيا حضن أمي الذي يتناسى كل الانكسارات ..

إلى متى تذكّرني بالوطن الضائع..؟!

إلى متى تجعلني أٌسلّم بأن لا رب غيرك…؟!

إلى متى تجعلني أشّك في مفهوم الوجود؟!

ومتى تنساك ظلال الوحدة ورمال الغربة.. يا حضن أمي…؟!

متى أشبع من رائحتكِ الزئبقية الوجود ؟!

متى أكّف عن رضاعة أنفاسكِ المخمليّة الملمس؟!

وإلى متى سأختبىء بين ضلوعكِ كذئبٍ مذعور؟!

***

لم يبقَ شيءٌ يا أمي…

لم يبقَ نهايةٌ ننتظر أن تُرسَم…ولم نعد ننتظر معجزة أو أعجوبة…

انتهت الرواية يا أمي…

فلماذا تصريّن على الإصاخة للصمت الذي تؤمنين أنه سيُفجّر قنبلة ؟!

ولماذا تصرينّ على الإيمان يا أمي؟!

فلتتحرري مني يا أمي…فلم يعد هناك شيءٌ نخافه…

فلتتحرري مني ولتحرريني من حضنكِ….

فقد اكتمل موسم الحزن يا أمي….

يا أمي حرريني من حضنكِ حتى لا أشعر بالأمان…فلا يشعر بالخوف إلا من يسكن الأمان…!

أريد أن أسافر يا أمي دون حقائبي التي يمتلأ بها خوفكِ ووصاياكِ…

أريد أن أهاجر إلى مدنٍ بلا عيون وبلا ألسنة.. دون أن تُرجعني صوركِ التي تثقِل جيوبي…!

أريد أن أُبحر إلى النسيان…

أريد أن أمشي على عيونٍ لا تعرفني،

أن أُضاجع طرقاتٍ لا أعرفها ولن تعرفني…

أريد أن أتوشّح الرحيل عندما تعصف شتاءات الحب الثلجية..

أريد أن أمتطي يأسي وأتسكع معه إلى وجودٍ غائب عن الوجود…وغائبٍ عن الحدود…!

***

آه..كم أحبك يا أمي…وكم أخاف حبك!

كم أحبك…وكم أخاف أن يقتلكِ حبك ِلي…كم لا أحبك يا أمي…!

كم أريد أن تتداخل حدود جسدينا إلى الأبد…وكم أخاف أن ترحلي عني…!

كم أخاف أن ترحلي وأنا لا أزال طفلتكِ…وأعرف أني سأظل طفلتك…إلى الأبد…!

وأشعر أني أٌريد أن افعل كما تفعل الهرة عندما تُوقن بموت أطفالها… فتأكلهم قبل أن تأكلها حرقتها عليهم وعلى نفسها…؟!فتحرق نفسها بنفسها…!

***

فلتغفري لي يا أمي..

فلتغفري لي حزني الذي يتهدّج فيكِ…فلتغفري لي حبي الذي يُطوقّك…

فلتغفري أحلامي التي تهشمت داخل جسدك الغض…فلتغفري لي خيباتي وانكساراتي اليومية…

فلتغفري وجودي الذي يؤرقك…فلتغفري لبنوّتي التي تلبسينها وكأنكِ تلبسين طَوق نجوم…

فلتغفري كلماتي التي تكتبكِ عندما لا تريد أن تكتبك… ولا تكتبك عندما تريد أن تكتبك…!

اغفري لي الأحلام التي لا أستطيع أن أُبحر بها إلى عينيك الناعستين في الحزن…

اغفري لي الأمل الذي خِطِتيه لي وصغٌر على عينيّ فلم أعد ألبسه…

اغفري لي يوم ولادتي…و أيام موتي اللانهائية…!

***

اطردي الخوف يا أمي…فقد اكتملت النهاية…وانتهت الرواية…

سيتعرّى الموت من هيبته عندما نتغمّس به مع فطور الصباح…

وستُصبح خيباتنا كأخبار الجرائم والقتلى في الجرائد اليومية…

سنتُاجر بدمائنا عندما يكثر النزيف…وسنُصبح أصحاب ثروة يا أمي…

وسنكون الشرفاء الوحيدين الذين يستثمرون موتهم…؟!والذين يشترون ثرواتهم بمجهودات دمائهم الذاتيّة…؟!

سنخلع أصواتنا الشائخة عن حناجرنا قبل أن نذهب للنوم…

وعندما يصحو اليوم.. سنلبسها مع ثيابنا وسط زحام الأفكار و وحدة المارة…

وطفولتنا وبراءتنا…سنحفظها في مخازن المئونات الشتوية..وسنحتفظ بها على رفوف الذاكرة المغبّرة…

لا تخافي يا أمي… فسنبني شركات لتخطيط أحلامنا…وسنظل نخطط ونخطط…

إلى أن نضجر من أحلامنا ونُقرّر نحن عدم صلاحتيها للاستهلاك اليومي…؟! أو التنفيذ المستقلبي…؟!

ولا تصدّقي يا أمي أن العمر قصير وأن الزمان يتربًّص بأيامنا…

فالعُمر طويل يا أمي…طول قطارٍ لشخصٍ لن يُسافر…وكُبر الكون لشخصٍ لن يُهاجر…؟!

ولا تصدقيني يا أمي عندما أقول لك تحرري مني…

وتذكري مراوغة الحبيبة التي تترجى حبيبها أن يتركها ..

تذكري أنها تحاول أن تُخبره بدهاءٍ مبطَّن أنها تخاف أن يهجرها هو…و أنها تنتظر أن يُطمئنها وأن يُربّت على خوفها…؟!

واعلمي أن تلك الحبيبة عندما تقول لحبيبها : ارحل … إنما تقول له :ابقَ إلى الأبد…؟!

***

قد يكون قد اكتمل موسم الحزن يا أمي…لكن موسم الطفولة لازال يرتع في حضنكِ…!

قد تتأّجّج فيّ خيبة البحر …لكن الأمل لازال يتعشّب ويتشعّب على سطح أنفاسكِ….!

فليفعل الحزن ما يشاءه، ففي حضنكِ يصبح كل شيء ما تشائين…؟!

المدينة المنورة

فبراير2003

* اللوحة للفنان الإيراني أيمن المالكي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s