تشيخوف وعبقرية الإنسان الكاتب..


424px-Chekhov_family

تشيخوف وعبقرية الإنسان الكاتب..

هبة البيتي

أثناء قراءتي عن حياة أنطون تشيخوف، استوقفتني حقيقة أنه مات وهو لم يتجاوز الرابعة والأربعين، وذلك بالنظر إلى غزارة إنتاجه الأدبي ونوعية ذلك الإنتاج على السواء. وما يُثير الدهشة أكثر هو معرفة أن تشيخوف كان طبيباً، بما يستلزمه ذلك من انكباب على الدراسة والدأب المستمر والرغبة في العطاء ومداواة آلام الآخرين. قال عنه أخوه ميخائيل في كتابه «حول تشيخوف» الصادر في عام 1933:” كان أنطون بافلوفيتش يعمل بلا توقف، يعالج المرضى، ويكتب.”

وقد كان تشيخوف يُمارس مهنة الطب بشغف وتفانٍ، فكان يُعالج الفقراء مجاناً حتى في بداية حياته، حينما كان الطب هو مصدر رزقه الوحيد وكان هو ذاته فقيراً مُعسراً ويساعد أهله في سداد ديونهم بعد إفلاس والده الذي أفرط في الحصول على التمويلات لكي يبني بيتاً. كما أنه كان يُسافر في أواخر حياته مسافات طويلة جداً لكي يُعالج الفقراء في القرى البعيدة، بالرغم من تدهوّر صحته ومعاناته من مرض السل الذي هدّ جسده.

وتشيخوف كان على علاقة وطيدة بأسرته ( أمه وإخوانه وأخواته) حتى عندما عاش بعيداً عنهم أثناء إكمال دراسته. وكان يبذل نفسه ووقته وماله لكي يعيش أفراد أسرته حياة كريمة أبعد ما تكون عن الذُل أو الحاجة. فكان يدفع رسومه ورسوم إخوته الدراسية من خلال عمله كمدرّس خصوصي وكرسام كاريكتيور في بعض الصحف المحلية بالإضافة إلى اصطياد وبيع طيور الحسّون،  لكي يرسل المال لأهله في موسكو حينذاك لكي ينتهوا من سداد ديونهم. هذا عدا دعمه المعنوي لهم من خلال إرساله رسائل مَرِحة من تاغانروغ بنفس درجة الدعابة المعروفة عنه. وحينما اشتهر صيطه ككاتب وبعد أن امتلك زمام أموره، خطّط لشراء أرض وبيت للّم شمل الأسرة مجدداً، إلى أن حقّق حلم والده. يتحدّث ميخائيل تشيخوف عن أخيه الأكبر أنطون: “ومن ثمار كدّه وموهبته الأدبية أن ودّعنا حياة الفقر وبِتنا نعيش حياة سعيدة”.

لم يقتصر عطاء تشيخوف على أسرته ولا على أصدقائه ولا مَرضاه. فقد كان يقضي في مكتبه ساعات طويلة لدعم الكتاّب المبتدئين، فيُحرّر أعمالهم ويُراجعها قبل أن يُرسلها إلى دور النشر وبعد أن يُعطيهم نصائح ونقداً بناءا. يقول الممثل المسرحي الكسندرلازاريف جروزينسكي أن تشيخوف حالما يلمس موهبةَ في أحد الكتّاب المبتدئين، كان يكتب له ويشجعه على النشر قائلاً:”«سوف تكون كاتباً شهيراً ذات يوم. ينبغي أن تنشر عملك، سيدر لك دخلاً طيباً». ويًضيف جروزينسكي ليؤكّد على تجذّر فضيلة البذل والعطاء في نفس تشيخوف: “حينما كان يسمع عن شخص عنده مشكلات أو بحاجة إلى مساعدة يسأل على الفور:«كيف يمكنني أن أساعد؟»”.

أي نوع من الأشخاص ذاك الذي يستطيع أن يبذل وقته ونفسه للناس بهذا الشكل، الأقارب منهم وغير الأقارب، وأن يُنتِج هذا الكم والنوع من الإنتاج الأدبي، بالإضافة إلى مزاولة الطب بذلك الزخم والتفاني،  دون أن يحرم نفسه من أن يعيش حياة طبيعية مَرِحة ؟ أي نوع من العبقرية تلك القادرة على مدّ ذاتها على كافة نواحي الحياة، وإنقاذ يديها من شراسة المرض الذي كان ينهش جسده في أعوامه الأخيرة ؟

أعتقد أن ما يستوقفني في عبقرية تشيخوف هي أولاً عبقرية الإنسان قبل الكاتب فيه، وثانياً إسهام عبقرية الإنسان وإثرائها عبقريته الإبداعية . فقدرة تشيخوف على التصرّف بطبيعية مع كل الناس بكل أطيافهم، وقدرته على المزاح والعيش ببساطة الفلاحين هو ما جعله قادراً على رؤية الحياة بعيونهم والكتابة على ألسنتهم. تقول الممثلة الروسية أولجا كنيبر تشيخوفا: “سأتذكر دائما أول لحظة قابلت فيها تشيخوف وجهاً لوجه. كنا جميعا مفتونين بشخصيته، وببساطته، وبمقدرته على الكلام مع البشر.”

ولكن الأهم من كل ذلك، هو أن تشيخوف لم يُحاول ولم يُخطّط بأن يكون بسيطاً، كما أنه لم يصطنع العفوية سواء في حياته الاجتماعية أو في كتاباته الإبداعية. وما كان يهتم لشيء سوى اهتمامه بالناس، فالبشر هم أبطاله الحقيقيين، بدون حذلقة اللغة وبدون بهارات النظريات.

هذا ما يُقرره تشيخوف في رسالة إلى آيه بليشتشيف في 4 أكتوبر 1888: “أنا لا ليبرالي، ولا محافظ، ولا إصلاحي، ولا راهب، ولا أنا أنظر إلى الحياة في لامبالاة. غير أن أقدَس ما أقدّسه هو الوعاء البشري، هو الصحة، والعقل، والموهبة، والإلهام، وطبعا الحب والحرية”. وهذا ما جعل تشيخوف قادراً على جعل قرائه قادرين على رؤية أنفسهم فيه، لأنهم يلمسون قدرته على رؤية نفسه فيهم..! حتى أن تولستوي لم يتورّع عن أن يتحدّث عن عبقرية تشيخوف:”تكمن قيمة إبداع تشيخوف في أنه ليس مفهوماً وقريباً جداً من كل روسي فحسب بل أيضاً من سائر البشر في كل أرجاء المعمورة.. هو فنان الحياة الذي لا يقارن به أحد”.‏

ولأن عبقرية هذا الرجل شغلت حتى معاصريه، فإن مكسيم جوركي حاول تتبّع خيوطها في حياته الخاصة. فكان يُلاحظها في اهتمام تشيخوف بالتفاصيل الصغيرة في بيته، وفي حبه للبناء والزراعة وفي ارتباطه بالأرض وترقّبه لمواسم الفواكه والأعشاب، وفي إحساسه ب”شاعرية العمل”- على حسب وصف جوركي. يقول عنه جوركي:” لم ألتق برجل أبدا يحس بأهمية العمل كأساس للثقافة، مثلما يحس تشيخوف بذلك إحساسا عميقاً شاملاً. و إحساسه هذا كان يتبدّى فى كل ،المظاهر الصغيرة لحياته البيتية، فى اختيار الأشياء للبيت، فى حبه للأشياء فى حد ذاتها؛ ومع أنه كان منزها عن شهوة الاقتناء، لم يكن ينى أبدا عن الإعجاب بالأشياء كنتاج للروح الخلاقة فى الإنسان.”

يتحدّث تشيخوف- نقلاً عن مكسيم جوركي- عن علاقته الحميمة بالطين وأهمية زراعة الأرض واستنباتها في إدراك جمال الوجود وإرضاء غريزة الخَلق عند الإنسان. يقول تشيخوف:”إذا كان كل امرىء فى العالم يصنع ما فى طاقته أن يصنعه فوق قطعة الأرض التى يملكها، فأي عالم جميل يصبح عالمنا.” وهنا لا يخفَى سِر عبقرية تشيخوف وهو تصالحه مع الوجود وانسجامه مع نفسه.  فالاستغراق والانغماس في الطبيعة يعلّم الإنسان الصبر والحكمة والتسامح والتناغم مع عناصر الكون المختلفة.

العبقرية الحقيقية ليست في خلق نص إبداعي خارق. فالنص الخارق هو نتيجة تفاعل لاوعي المبدع- ما يُسمَى بالإلهام- مع تجارب خارجية وظروف حياتية مناسبة. الإبداع الأدبي والفني هو نتاج  تفاعل مجموعة  عناصر داخلية وخارجية لا يلعب المبدع دوراً فيها سوى خلط العناصر، أي ربع في المائة من العملية الكلية. أما العبقرية الإبداعية الحقيقية فهي عبقرية الطبيعة في الإنسان..هي انتصار العفوية فيه، وانسجامه وتسامحه مع طبيعته البشرية، وقدرته على التفاعل والتناغم مع الطبيعة حوله.

إن عبقرية تشيخوف الإبداعية والأدبية هي نتيجة طبيعية لعبقريته الإنسانية. إنها نتيجة انغماسه الحقيقي في الحياة وعيشه للحظة بكل أبعادها. فقد كان تشيخوف وَفياً أكثر ما كان للحظته ولمشاعره. لم يفكّر ولم ينشغل فيما لابد أن يقوله، بل قال ما كان يرى وما كان يشعر. فقد أدرك تشيخوف منذ البداية مدى عبثية الوجود، وأدرك أنه لا يملك إلا أن يكون شاهداً على هذه العبثية..لهذا قال مرةً لنينا دروزدوفا:” لا ينبغي أن تنتظري الإلهام، بل عليك أن تكتبي كل يوم. وفي غضون ست سنوات، ستكونين كاتبة جيدة”.

و يحكي أيضاً الأديب الروسي ايفان بونين عن حوار له مع تشيخوف:

“سألني «هل تكتب؟ هل تكتب كثيرا؟»

قلت له: «أنا في واقع الأمر، لا أكتب بكل تلك الكثرة».

فتجهم وجهه وقال بصوت حزين غير معهود منه «أمر مؤسف. لا ينبغي أن تسلم يديك للكسل، ينبغي أن تكون دائما في حالة عمل. طوال حياتك»”.

هذه هي قدسية العمل التي عاش من أجلها تشيخوف، والتي تمخضّت عنها عفويته التي تجسّد عبقريته بكل أبعادها. وعفوية تشيخوف لم تكن لامبالاة بأي حالٍ من الأحوال، ولكنها كانت عدم اكتراث بنتيجة الكتابة أو الإبداع. فالكتابة بالنسبة له كانت استجابة لإلحاح العمل من أجل فضيلة العمل نفسها،  ولقانون الحركة بصفته أقوى قانون وجودي.

فالكتابة في النهاية ليست أكثر من شهادة، وعبقرية الكاتب تتجلّى في الوفاء للحظة والانحياز لعفوية الطفل والطبيعة فيه، ليكون قادراً على تسجيل شهادته قبل أن يُسجّل “غائباً” في دفاتر التاريخ..

٢١ مايو ٢٠١٣

هبة البيتي

heba.albiety@gmail.com

المقال على موقع جريدة الوطن.

*الصورة مأخوذة من موقع ويكيبيديا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s