العوالم الافتراضية والعجز البشري!


Virtual-World

 

العوالم الافتراضية والعجز البشري!

لا يحتاج الأمر أكثر من نقرة واحدة على صورة أحد ألعاب العالم الافتراضي على الفيسبوك، أو ربما قبول دعوة من صديق لم تفهم كُنهها، لتجد نفسك بين يومٍ وليلة أحد مدمني تلك الألعاب التي كنتَ تسخر من مشتركيها! والعجيب في الموضوع، أن مدمني تلك الألعاب لا يقتصرون على الأشخاص غير المدركين أو غير الواعين لحقيقة إدمانهم أو لجوئهم إلى تلك العوالم الافتراضية هرباً من مواجهة مشكلاتهم الحقيقية، أو ربما لإجهاد قدراتهم الفكرية والانفعالية بتفاصيلٍ عالمٍ آخر ليجدوا أنفسهم مستنزفين تماماً حينما تتلقفهم أفكار وهواجس وساداتهم!

إن ظاهرة رواج ألعاب العوالم الافتراضية على مختلف مواقع الإنترنت ظاهرة مخيفة، خاصةً وأن مدمني تلك الألعاب لا يقتصرون على شريحة أو فئة معينة من المجتمع. هذا ما لمستُه أثناء زيارتي لعائلتي في السعودية، حيث وجدتُ كثيراً من معارفي وأصدقائي من مدمني ألعاب الفيسبوك ك (ريستورنت سيتي Restaurant City) و( بِت سوسايتي Pet Society) أو (فارمفيل Farmville). هذا وقد وصل الإدمان ببعضهم إلى استخدام بطاقاتهم الائتمانية لرفع مستوى أدائهم في إحدى تلك الألعاب! كما أن بعض الصديقات أخبرتننَي بأن تلك الألعاب تُسبب لهنَ الكثير من المشاحنات الزوجية لأنَهن تعتبرنَها (ضرتهن)، خاصةً في حالة الألعاب التي تحتمل تعارف مشتركيها في أنحاء العالم على بعضهم البعض كلعبة (البلوت) و(البيلياردو) وغيرها. أما إذا كانت الزوجة من مدمني تلك الألعاب أيضاً، فإن الخلافات قد تبدأ حينما يحتكر أحد الزوجين الكومبيوتر أو الآيباد لنفسه ليُتابع مستجدات أدائه في عالمه الافتراضي أولاً بأول!

بعد قراءات وبحث عن أسباب نزوع الأشخاص إلى هذا النوع من الألعاب دون غيرها وعن الحاجات النفسية التي تُشبعها لهم، وجدتُ أن الهروب من الواقع ليس العامل المشترَك الأساسي بين هؤلاء الأشخاص. بل هي رغبتهم في الشعور بأنهم قادرين على الفعل، ورؤية نتائج ذلك الفِعل بطريقة ملموسة ومباشرة في عالمٍ ما وإن كان افتراضياً. هذه الرغبة في السيطرة على الواقع وامتلاك أدوات تغييره هي نتيجة طبيعية للعجز الذي يشعر به البشر في ظِل طقوس الحياة الرأسمالية التي صارت من أبجديات الحياة اليومية العالمية. هذا عدا حاجة الإنسان إلى الانتماء إلى مجتمع بشري يشعر بقدرته على ترك بصمة فيه ورؤية تلك البصمة بشكل ملموس ومباشر. إضافةً إلى حاجتنا كبشر في هذا العالمِ اللاهث وراء اللاشيء للشعور بالحد الأدنى من الذاتية. والشعور بالذاتية لا يتحقق إلا بلمس إرادة الإنسان على التغيير وقدرته عليه، الذي يُشعِره بأهمية وجوده وفعالية دوره الحياتي، وهذا ما يكفل تغلبه على الاكتئاب بناءاً على الدراسات النفسية.

من خصائص هذه الظواهر أو النزعات الاجتماعية أنها تتطور بسرعة وتصل إلى ذروتها في وقت قصير قبل أن تبدأ في التراجع إلى المنحى البياني الطبيعي. ومما يُسهّل تقصير العُمر الافتراضي لهذه النزعات الاجتماعية توفر الدراسات الأكاديمية والنفسية التي تبحث عن أسبابها. لقد وصل تقدم الأبحاث في هذا المجال في الولايات المتحدة إلى فتح كليات خاصة ودرجات أكاديمية متخصصة لدراسة العوالم الافتراضية وألعاب العوالم الافتراضية على جميع الأصعدة؛ النظرية والعملية.

ليتنا نُحاول البحث عن لجوء أبنائنا إلى العوالم الافتراضية قبل أن نحكم عليهم بالفشل أو السخُف!

هبة البيتي

واشنطن – دي سي

أكتوبر ٢٠٠٩

Advertisements

One thought on “العوالم الافتراضية والعجز البشري!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s