قصة اعتقالي في مطار واشنطن ومنعي من دخول الولايات المتحدة: مثالٌ على عشوائية العمل في إدارة الجمارك والحدود الأميركية


 Checkpoint Prosecutions

 

في الثامن عشر من شهر مايو/أيار لعام ٢٠١٣، كنتُ على متن طائرة الخطوط التركية (رحلة رقم ٠٠٠٨ ) متوجّهة من إسطنبول إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث أقيم منذ عام ٢٠٠٨ من أجل الدراسة ومن بعدها العمل. وفي ذات اليوم الذي وصلتُ فيه إلى مطار دالاس بالعاصمة واشنطن، أرجعوني على متن الطائرة نفسها من حيث أتيتُ. وكان السبب هو عدم حملي للفيزا المناسبة “not having a proper visa”، على حد تعبير موظفي إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية (U.S. Customs and Borders Protection). وأرجو ملاحظة أن السبب في عدم السماح لي بدخول الحدود الأميركية لم يكن عدم حملي لفيزا سارية- لأن تأشيرتي كانت صالحة إلى ٣ مايو عام ٢٠١٤- أو عدم حملي فيزا من الأساس!

كنتُ مُشوّشة قبل سفري بخصوص وضعي القانوني في الولايات المتحدة، فجوازي لازال يحمل تأشيرة الدراسة الأكاديمية. فعندما بدأتُ العمل كمتطوّعة في منظمة (هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch) التي كنتُ قد تدرّبتُ لديها لإكمال مُتطلّب درجة الماجستير وإنهاء مشروع التخرّج (graduation project)، عَرَضَت علي المنظمة أن أعمل معها كمترجمة ومستشارة لغة عربية. بعد انتهائي من درجة الماجستير بنهاية عام 2010، قدّمتُ للحصول على ترخيص عمل وقد حصلتُ عليه فعلاً. وحينما سألتُ مكتب إدارة الهجرة- في أرلنجتون بولاية فيرجينيا- إذا كان لابد أن أحصل على فيزا عمل، قالوا لي أنه يمكنني الدخول والخروج من أمريكا بتأشيرتي الحالية (تأشيرة الدراسة الأكاديمية F1)، وأنني لا أحتاج فيزا جديدة لأنني تحت نظام ال(OPT أوOptional Practical Training)، وهو نظام يسمح لطلبة الماجستير والدكتوراة بالعمل لمدة عام كنوع من التطبيق العملي لدراستهم الأكاديمية. وقبل انتهاء العام، كان قد جاءني عَرضٌ آخر من المركز الدولي للصحفيين (The International Center for Journalists ICFJ) للعمل معهم بشكل منتظم كمنسّقة برامج ودورات تدريبية للصحفيين في منطقة الشرق الأوسط.

بدأتُ بالعمل مع المركز الدولي للصحفيين واستمريتُ بالعمل معهم إلى أن تفجّر موضوع قضية “التمويل الأجنبي” وأُقفِل مكتب المركز في القاهرة على خلفية اتهامه ضمن منظمات غير ربحية NGOs عالمية في تلك القضية الهزلية. اضطر المركز أن يوقف جميع نشاطاته وبرامجه في مصر، وهي البرامج الأكبر التي تُموّلها المنظمة في منطقة الشرق الأوسط. لم أكن متحمّسة للعمل على برامج أخرى في المنظمة، لأنها بعيدة عن مجال تخصصي واهتمامي وهو منطقة الشرق الأوسط. وهكذا تركتُ العمل مع المنظمة في بداية شهر نوفمبر من العام الماضي ٢٠١٢. من بعدها بدأتُ رحلة البحث عن عمل جديد، وتوالت المقابلات المهنية لكن الصعوبة كانت تكمن في إيجاد جهة عمل تكون الكفيل (sponsor) لتأشيرة عمل لأجنبية مثلي، بما إني لا أملك جِنسية أميركية ولا حتى إقامة دائمة (permanent residency or green card).

وبما أن الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة من سيء إلى أسوأ، فمعظم المنظمات والشركات كانت تتراجع في آخر لحظة قبل توقيع عقد العمل، لأنها تريد أن توفّر على نفسها دفع بضع آلاف من الدولارات من أجل كفالة موظفة يمكن استبدالها بغيرها من العرب الذين يحملون الجنسية الأميركية أو غيرهم من المتعاقدين (contractors) الذين يعملون بنظام الساعة (per hour) أو يُدفَع لهم أجر كل مشروع على حدة (per project or per task)، حيث لا التزامات تُذكَر من قِبَل الشركة أو المنظمة تجاه الموظّف. وهكذا لم أنجح في إيجاد عمل حتى شهر يناير ٢٠١٣، حيث قررتُ زيارة أهلي في المدينة المنورة.

فقمتُ باستشارة أحد المحامين المختصّين في شؤون الهجرة- وكان مقره ألكساندريا بولاية فيرجينا- عن وضعي القانوني في الولايات المتحدة إذا ما سافرتُ ورجعتُ على تأشيرة الدراسة الأكاديمية التي أحملها مع أوراق قبول تصريح العمل، مع العلم أنني أخبرتُه بظروف وخلفيات تركي لعملي الذي كَفِلَ تأشيرتي التي تتطلّب وجود كفيل(H1B). إذاً كان المحامي يعلم أن تأشيرة جوازي هي تأشيرة أكاديمية وأن تأشيرة العمل مقبولة مِن قِبَل إدارة الهجرة، لكنها غير مسجلّة في الجواز ولم يُطلَب مني تسجيلها، فَمِنَ المُفترَض أن السيستم موحّد وأن أي موظف حكومي لو أدخل اسمي في السيستم فسيحصل على معلومات عن جدي الخمسين وعن لون قميصه وعن الأكلات التي كان يحبها! مع هذا قال المحامي أن وضعي سليم وقانوني وأنه سيبقى سليماً بما إني في حالة تقديم وبحث عن عمل آخر(between jobs)، وبما أن تلك الفترة لم تتجاوز أشهر معدودة-ستة أشهر على الأكثر. أخبرني المحامي أن أوراق قبول تصريح وتأشيرة العمل كافية لدخولي إلى أميركا عبر المطار، خاصةَ أن تأشيرة دراستي الأكاديمية لازالت سارية، وأنني رجعتُ في حُكم الطلاب الأكاديميين المتدرّبين بمجرّد تركي لعملي.

كنتُ أعلم، لكل الأسباب السابقة، أنه قد ينبغي أن أشرح ظروف إقامتي وتأشيرتي بشكل مفصّل لموظفي إدارة الجمارك في المطار. لكني لم أكن أتوقع ولو للحظة أن ذلك سيكون سبباً لاعتقالي ومنعي من دخول الحدود الأميركية وإرسالي على متن أول طائرة قادمة من إسطنبول؛ من حيث أتيت! فكل المقيمين في أمريكا من دول العالم الثالث يعلمون أن إدارة الهجرة الأميركية على علم بأدق تفاصيل حياتنا وتاريخنا، هذا إذا لم تكن على علم بتاريخ أجدادنا وأجداد أجدادهم!

حينما نزلتُ إلى المطار وتمّ ختم جوازي مِن قِبَل الموظف، كان قد سألني إن كنتُ طالبة، على حسب الجواز، فقلتُ لا لأني لم أرد أن أكذب. قلتُ أنه لديّ تصريح عمل وأردتُ أن أريه إياه لكنه لم يهتم بالرغم أن ردي لم يعجبه. ثم سألني إن كنتُ أحمل طعاماً، أجبتُ أني أحمل بعض التمر وبسكويت التمر(معمول). أخدتُ حقائبي وتوجهّتُ إلى قسم الجمارك وأنا أدعو الله ألا يتمّ فتحها مِن قِبَلهم بسبب صدقي واعترافي بُجرم حمل التمر!

كنتُ أعتقد أن استجوابي بشأن وضع تأشيرتي كان قد انتهى عند ذلك الحد وأنني سأتعامل مع موظفي الجمارك بشأن وبسبب ما أحمله في حقائبي. كنتُ أجلس في نفس قاعة الانتظار التي كنتُ قد جلستُ بها في أول مرةٍ أذهب فيها إلى الولايات المتحدة كطالبة مبتعَثة في ٢٠ يوليو ٢٠٠٧. كانت القاعة تضجّ بأربعين مسافرٍ أجنبي على الأقل. كانت هناك سيدة لبنانية- في الستينات من عمرها على الأرجح- تجلس مع زوجها السبعيني في المقعد الذي أمامي. كانت السيدة تحاول الاتصال على ابنتها- التي كانت في زيارة لها على ما يبدو. تحدثّت مع شاب مكسيكي بجانبها وطلبت منه التحدث عبر هاتفه لأنها اعتقدت أن هاتفها لا يعمل. قال أنه لا توجد شبكة إرسال في تلك المنطقة من المطار. أكدتُ على كلامه وقلتُ لها ألا تحاول لأن لا هواتف نقالة ولا ذكية تعمل في تلك المنطقة. وحمدتٌ الله أنني حدّثتٌ أمي من هاتفي السعودي حالما هبطت الطائرة إلى أرض المطار!

كان الكل جالساً في ترقّب، والأصوات منخفضة بشكلٍ يبعث على التوجّس. ولأن الحياة في أمريكا علمّتني ألا أنتظر إذا كانت لي حاجة، ذهبتُ إلى الكاونتر وبدأتُ بشرح وضعي قبل أن يسألني الموظف، فأخَذَ مني جوازي وأوراقي بعد أن قال لي أن دخولي لن يكون سهلاً! وطلب مني الانتظار! فقلتُ دون تخطيط:”هل هذه هي لعنة الجواز الأخضر؟” فقال بحزم:”إلى ماذا تُشيرين؟”. قلتُ بخوف وحذر:” أقصد أن العبور عبر الحدود الأميركية بات أصعب لمَن يحملون الجواز الأخضر من أمثالي. أفهم أهمية هذه الإجراءات بالنسبة لكم، ولكني فقط أقرّر واقعاً، وهي أنها تُصعّب حياتي وحياة أمثالي”. هدأ الموظف، وشَعَر أني لم أقصد شيئاً سوى التعبير عن موقفي وتَبَرُؤي من أي أعمال إرهابية. فَهِم أنني أقول: “لستُ منهم”! تعاطَف الموظف معي وبدأ في سؤالي عن وضعي. كُنتُ أجاوب على أسئلته بصدق وأمانة. قال أنه سيحاول مساعدتي في وضعي على برنامج يخوّلني الدخول إلى البلاد ثم تصحيح وضعي القانوني، لكنه لا يستطيع أن يعدني بشيء. طلب مني الانتظار إلى أن ينادوا على اسمي.

لم أنتظر كثيراً قبل أن ينادوا عليّ ويدخلوني إلى غرفة صغيرة بمكتب وجهاز كومبيوتر. أخذوا بصمات كل إصبع من أصابعي على حدة والتقطوا صورةً لي كما يفعلون مع المجرمين! سألوني كل الأسئلة التي يُمكِن أن تُسأَل في هذا المقام، عن أسباب قدومي إلى الولايات المتحدة، ومعطيات وجودي هناك، تاريخ ولادتي وتاريخ وصولي الأول، عنواني وأسماء أقاربي في الولايات المتحدة، دراستي وعملي. ظننتُ أن شرحي لكل تفاصيل ومعطيات وضعي ستؤكّد لهم أنه إذا كان هناك خطأ ما في وضعي فهو بالتأكيد غير مقصود. ظننتُ أن صدقي معهم منذ البداية سيشفع لي وسيُعطيني فرصةَ لأن أدخل البلاد وأصحّح وضعي-الذي لم يكن لي علم بخطأه من الأساس، خاصةً وأني كنتً في المرحلة الأخيرة من المفاوضات على إحدى الوظائف وكان من المفترض أن أقابل مسؤول التوظيف بعد يومين من وصولي! ظننتُ أن صرامتي وقوتي في الدفاع عن نفسي وعن حقي في الذهاب إلى بيتي الذي يبعد بضع أميال عن المطار بعد كل التعب الذي تكبّدته في رحلة القدوم، ستُساعدني في الوصول معهم إلى حل لا ينتهي بعودتي إلى أدراجي في ذلك اليوم!

قلتُ للمحقّق أنني مرهقة بشكل مُرعب وأنني أحتاج أن أرتاح على الأقل تلك الليلة، وأني سأقدّم أي ضمانات لأؤكّد أنني سأصحّح وضعي وأغيّره لأي وضع قانوني (status) يرتضونه. شرحتُ له أنني أتيتُ للولايات المتحدة العام السابق بنفس جواز السفر الذي يحمل نفس الفيزا الأكاديمية، بالرغم أنني كنتُ أعمل وقتها. أخبرتُه أنه لم يخبرني أحد أنني لابد أن أغّير نوع تأشيرتي وأن مروري عبر الجمارك لم يستغرق خمس دقائق. قال لي:” كان السماح بدخولك وقتها خطأ!”. رددتُ:” وهل من المفترَض بي أن أدفع ثمن الخطأ الذي ارتكبتموه العام الماضي الآن؟”. يبدو أن ردّي استّفز المحقّق-الذي كان يبدو أنه من أصول آسيوية- لدرجة جعلته يرفع صوته عليّ ويقول بعصبيّة شديدة: “لا تدفعيني لأن أستلم قضيتك. أنا مُحقّق جنائي!”. نعم كان ذلك تهديداً صريحاً وكان أمرٌ لي بالتزام الصمت! وقد فعلتُ لأني لم أملك خَياراً آخر. كان في الغرفة ضابطٌ آخر يبدو أنه استفّزه إصراري على إثبات براءتي- من التهمة التي لا أعلم ما هي إلى الآن. كان يُحاول أن يُقنعني ألا أحاول أن أدافع عن نفسي أو أن أطلب أي معاملة خاصة أو غير قانونية. قال عندما عَلِمَ أنني من السعودية:” لو جئتُ إلى السعودية بدون فيزا كنتم ستفعلون معي نفس الشيء”. أوضحتُ له أنني لا أمثّل الحكومة السعودية ولا إدارة جماركها، وأنني أحمل فيزا سارية المفعول ولكنهم يجدون فيزتي غير مقبولة، ولهذا لا أطلب سوى فرصة تصحيح وضعي القانوني لِمَا يجدونه مقبولاً ومناسباً. أوضحتُ له أنني أقيم في الولايات المتحدة منذ سبع سنوات تقريباً وأنه ليس في رصيدي أي خروقات قانونية أو تصرّفات مشبوهة، وأنني لو كنتُ أعلم أن فيزتي غير مقبولة بالنسبة لهم لَمَا كلّفتُ نفسي عناء سفر ثلاثة عشر ساعة بالطائرة. قلتُ أنه لديّ موعد مقابلة وظيفية هامة جداً هذا الأسبوع، لكنه أصرّ على أنني لابدّ أن أرجع من حيث أتيتُ وأن أقدّم على فيزا سياحية! قلتُ:” ولكنني لستُ سائحة. لديّ عقود مع مالك البيت وشركات الكهرباء والغاز والإنترنت تؤكّد كلامي”. لم يكترث لما قلتُه، كان يُريدني ألا أعبر الحدود الأمريكية يومها. كنتُ قد فقدتُ كل طاقتي من فرط التعب، لكني انتبهتُ لشارة اسمه، كان اسمه (أسعد)! نظرتُ إلى اسمه مرة أخرى لأتأكّد. نظرتُ إليه وثبّثُ عينايّ على عينيه وقلتُ بالإنجليزية:” اسمك جميل”! ولم أره بعدها في نفس الغرفة!

عاد الضابط ذا الأصول الآسيوية وكان أكثر هدوءاً هذه المرة، ربما كان خائفاً من أن أقدّم شكوى ضده. قال لي أنهم حجزوا لي مقعداً في الرحلة الذاهبة إلى إسطنبول تلك الليلة. حسبتُ أنهم سيضعوني في صندوق مع بعض الكلاب والحيوانات الأليفة! استكمل بقية الإجراءات اللوجستيكية لرفض دخولي عبر الحدود وإرسالي إلى دياري. ختموا على جوازي بإلغاء فيزتي التي تنتهي عام ٢٠١٤ وبسحب طلب تقديمي الدخول إلى الولايات المتحدة عبر مطار واشنطن. ثم قال أنه سيتّم التحقيق معي بشكل أكثر دقة ورسمية في مكتبٍ آخر وأنهم سيستدعونني. طلبتُ السماح لي بالاتصال بأخي في واشنطن الذي كان ينتظر مكالمتي على أحرّ من الجمر، لكنهم رفضوا أن أتحدّث معه بالرغم أني اقترحتُ أن أتحدّث معه أمامهم بالإنجليزية! أخذوا رقمه مني وقالوا أنهم سيُخبرونه أنه لم يُسمَح لي بدخول البلاد وأنني سأسافر إلى إسطنبول الليلة.

Application for admission withdrwan

خرجتُ إلى قاعة الانتظار نفسها. كانت كل الأنظار تتجّه لي بكثير من التساؤلات والكثير من القلق. هم لا يرون إلا فتاة شابة ذات ملامح شرق أوسطية خارجة من المكاتب الداخلية لإدارة الهجرة ويبدو عليها الإنهاك الشديد والإحباط الشديد أيضاً. لم يكن يجلس في القاعة سوى موظفين يقومان بتسيير أوراق المسافرين ببطء وبلااكتراث مستفزَيْن. فجأة سمعتُ أحد المسافرين ينفجر غضباً على الموظّفة ويقول:”لا يُمكنكم أن تُعاملونا كما تعاملون الحيوانات”!. التفتَ الجميع وربما شعر الكثير من الجالسين-كما شعرتُ أنا- بأن ذلك الرَجُل يتحدّث عنهم. صرخَتْ الموظفة عليه وأمرته أن يجلس في مكانه. قال أنه يعرف القانون تماماً وأنه يعلم أنه لا يقوم بأي شيء غير قانوني. كان يتحدّث بقوة وبشكلٍ يُظهِر أنه يعلم ما يقول فعلاً. يبدو أن ذلك أَشعَر الموظفة بالتهديد، لذلك بادرت بالتحدّث معه بوقاحة، ملوّحةً بالسلطة التي تملكها بوجودها على ذلك الكرسي. هكذا أسكتَته ولكن يبدو أنه كان يحاول أن يضغط عليها بشكلٍ غير مباشر للالتفات إلى أوراقه التي كانت تنتظر هناك ساعات طويلة. لم يكن يهمه سوى أن يوصل لها رسالة واحدة: لن أسكت على إساءتكم!

زادَ هذا الموقف من توتّر الأجواء في القاعة حتى لَأنكَ تشعر بغضب مبطّن يلفّ القاعة التي كانت الأعداد الممتلئة بها من المسافرين في ازدياد بينما كان عدد الموظفين الذين يُسيرّون أوراقهم في نقصان! ذهبتُ إلى الرَجُل وشكرتُه على موقفه البطولي أمام تلك الموظّفة الوقحة. قال أنه محامي من أصل إيراني وأنه يعيش في الولايات المتحدة منذ ثلاثين سنة وهو يحمل بطاقة الإقامة الدائمة (جرين كارد green card)، وأنه بالرغم من كل ذلك لازال يُعامَل بتلك الطريقة غير الإنسانية! قلتُ له:” لقد قلتَ أنهم يِعامولننا كما يُعاملون الحيوانات. أعتقد أنك مخطىء، فهم يُعاملون الحيوانات بطريقةٍ أفضل بكثير من معاملتهم لنا!” وَافقَني وشكرني على دعمي.

جاء استدعائي إلى التحقيق الثاني. لحسن حظي كان المحقّق هذه المرة هو الموظّف الذي تعاطَف مع وضعي وحاول مساعدتي. ولأول مرة، يسألني أحد المحققيّن إن كنتُ أودّ شرب الماء. شكرتُه على معاملتي بشكلٍ إنساني وقلتُ له أنني بالفعل أحتاج شرب بعض الماء. كانت الساعة في حدود الثامنة مساءا، وكنتُ قد وصلتُ إلى واشنطن حوالي الساعة الخامسة ونصف عصراً. قالوا أن رحلتي إلى إسطنبول حوالي الساعة الحادية عشر مساءا، وكنتُ أفكّر كيف سيمضي ذلك الوقت. أبدى الموظّف استغرابه عندما أخبرته أن زملاءه لم يعاملوني بطريقة لائقة واعتذر بالنيابة عنهم! قال أنه يصدّق أنني لم أحاول الدخول إلى الولايات المتحدة بطريقة غير قانونية، وأنه من الواضح أن ما حَصَل معي كان مجرد خطأ غير مقصود. استطاع تفهّمه أن يُهدّئني بعض الشيء، لكني كنتُ أشعر بالظلم والإهانة الشديدة!

استكملتُ التحقيق ووقعّتُ على أقوالي وطَبَع المحقّق نسختين من التحقيق، واحدة له والثانية وضعوها في الملف الذي كان سيسبقني إلى الطائرة. طلبتُ من المحقّق أن أستخدم دورة مياه صالة رجال الأعمال بحكم أن تذكرتي على نفس الدرجة. قال أنه لا يستطيع أن يسمح بذلك وأنه يُمكنني استخدام دورة المياه في قاعة الانتظار؛ دورة مياه من غرفة واحدة لكل المسافرين رجالاً ونساءا! أمضيتُ بقية الوقت قبل إرسالي إلى الطائرة أتحدّث مع المحقّق الذي نلتُ على احترامه وثقته لدرجة أنه قال لي أنه يخجل من تصرّفات زملائه غير المكترثة! قال أيضاً أن إدارته تُعاني من قحطٍ في الموظفين منذ تولّى أوباما الرئاسة، الشيء الذي يجعله يخجل من شكل قاعة الانتظار خاصتهم! وجّهتُ نظره لأهمية التعامل بشكلٍ استثنائي مع كبار السِن والأطفال، فقد كانت القاعة مليئة بهم. شعرتُ بإحباط الموظّف الشديد وشعوره بالعجز عن فعل شيء يُذكَر في إدارة كإدارته. ثم تحدّثنا عن الكتب لنُذهِب عنا كآبة الحديث عن السياسة، لأتأكدّ وقتها أن ذلك الموظّف المسكين يعمل هناك عن طريق الخطأ!

Canceled Visa

جاء ضابطٌ وضابطة ليأخذاني إلى الطائرة بسيارتهما، وكان معهم ملفٌ أصفر يحمل صورتي على الغلاف، وأوراقي وجواز سفري في الداخل. ركبتُ السيارة وأنا أحمل حقيبة ظهري وحقيبة يدي بعد أن أخبراني أن حقائبي الأخرى قد شُحِنَت إلى الطائرة. حَمِدتُ الله أنهم لم يقيّدوني بكلبشات حديدية، ورحتُ أفكّر أن دخولي إلى الطائرة من الباب الجانبي قد يُريحني من الوقوف طويلاً مع بقية المسافرين. لكنني لم أكن أدرك أنه كان ينبغي لي أن أنتظر دخول كل المسافرين قبل أن يوقّع كبير طاقم الطائرة على استلام أوراقي وعلى استلامي أيضاً! إذاً كان عليّ أن أتحمّل سهام نظرات كل الركّاب المارين أمامي، بالإضافة إلى تحمّل آلالام ظهري التي بدأت تصل إلى درجة اللاتحمّل، حتى أنني اضطررتُ للاستئذان من الضباّط والجلوس على أرض الممر! وحينما سُمِحَ لي بدخول الطائرة، قال لي الضبّاط أن طاقم الطائرة سيُعطيني جواز سفري وأوراقي في مطار إسطنبول!

حَمِدتُ الله أن والدي أصرّ على شراء تذكرة درجة رجال الأعمال، لأنعم ببعض الراحة في تلك الرحلة الطويلة. كنتُ لم أمدّ رجليّ وظَهري منذ تركي الفندق في إسطنبول صباح ذلك اليوم. كنتُ أكثر تعباً من أن أستطيع أن أفكّر في كل ما حصل لي في ذلك اليوم القصير بأحداثه، الطويل بأعبائه ومتاعبه. استطعتُ أن أستقبلّ مكالمة واحدة قبل إقلاع الطائرة. فلم يكن هناك شبكة في أي منطقة من المناطق التي كنتُ أتواجد بها. كانت أمي المتصلة، تبكي بكاءاً حارقاً ولا تصدّق أنها تسمع صوتي أخيراً. كانت تسألني:”ماذا فعلوا بكِ؟” وكنتُ أقول:” لا شيء. لم يسمحوا لي بالدخول فقط. لكني بخير. سأحدّثك من إسطنبول.”

حينما وصلتُ إلى إسطنبول، كنتُ آخر الخارجين من الطائرة. طلبوا من أحد المضيفين أن يحمل ملفي ويُرافقني إلى الباص. أوضحتُ لهم أنني لستُ مجرمة وأن نوع تأشيرتي لم يحز على رضا موظفي إدارة الجمارك ليس إلا، لكن لا أعتقد أن أحداً منهم، بمستوى الإنجليزية التي كانوا عليها، فَهِمَ شيئاً مما قلت. لم يكتفوا بعدم إعطائي جوازي، لكنهم لم يسمحوا لي بركوب الباص مع بقية الركّاب، بل جعلوني أركب الباص مع المُضيف بجانب السائق! وهكذا تحوّلت نظرات الشكوك في أعين المسافرين إلى اتهامات ظلّت تمشي معي إلى أن أخذوني مع ملفي إلى مكتب في أحد ممرات مطار إسطنبول وسألوني بعض الأسئلة. ولأنهم يأسوا من محاولة فهم إنجليزيتي، سمحوا للمضيف أن يأخذني إلى جمارك المطار ليمرروني. بعد صياح طويل ومحاولة لفهم وضعي وحالتي، أعطوني جوازي وسمحوا لي بالمرور لكنهم رفضوا إعطائي نسخة التحقيق! وهكذا أصبحتُ حُرة من إرادات موظّفي المطارات لأول مرة خلال ٤٨ ساعة تقريبا!

لم أستطع أن أكمل رحلتي من إسطنبول إلى المدينة المنورة في نفس اليوم. ذهبتُ إلى فندق المطار واستأجرتُ غرفة، فقد كنتُ عاجزة عن الحركة تماماً بسبب آلالام ظهري. كنتُ أعاني من انزلاقٍ غضروفي منذ عام ٢٠٠٦، وكانت الرحلات الطويلة والوقوف والجلوس الطويل يُرهقني إلى أبعد حد. لكن الإرهاق تلك المرة لم يذهب ولم تنفع معه راحة ولا مُسكّنات بعد وصولي إلى المدينة. ظننتُ أنها انتكاسة عابرة بسبب وقوفي الطويل في المطارات ثم جلوسي في طائرتين مختلفتين ثلاثة عشر ساعة متواصلة في نفس اليوم! لكن الألم بدأ في الوصول إلى درجات لم يكن لي بها سابق عهد، فإذا بي عاجزة عن تحريك ساقي اليمنى تماماً، ثم أصبحتُ عاجزة عن الوقوف وحتى الجلوس! وبعد إجراء الأشعة المقطعية (MRI)، تبيّن أنه قد حصل لي انزلاق غضروفي جديد وكبير جداً يستلزم إجراء عملية جراحية بناءا على استشارة أربعة جراّحين على الأقل.

اليوم أُكمل ما كنتُ قد بدأت كتابته قبل أشهر وقد قـمـتُ بإجراء عملية جراحية لاستئصال الديسك في المركز الطبي الدولي بمدينة جدة الشهر الماضي (سبتمبر ٢٠١٣). وكما أنني أؤمن بالقضاء والقدر وأن لحصول كل شيء في حياتنا حِكمة قد نُدركها وقد لا نُدركها، إلا أنني أؤمن بأهمية البحث في الأسباب. وهنا لابد أن أقرّر أن ما حصل لي في الثامن عشر من مايو/ أيار ٢٠١٣ كان العامل الأهم والأكبر في تدهور حالتي الصحية وعجزي عن ممارسة حياتي الطبيعية منذ ذلك الحين، وخضوعي للعلاج الطبيعي المكثّف ثم اضطراري لإجراء عملية جراحية.

وبالرغم من يقيني أن ما تعرضّتُ له لم يكن أسوأ ما كان يِمكن أن أتعرّض له أو ما يمكن أن يتعرّض له غيري إلا أنني أؤمن بأهمية نقلي لهذه التجربة والتحدّث عنها. وهذا ما نصَحَني به أحد المحامين الأميركيين الذين تحدّثتُ معه بعد الحادثة وأبديتُ له رغبتي في رفع قضية على إدارة الهجرة الأمريكية. قال لي المحامي أنه قد سَمِع بحوادث أبشع بكثير ثم أردف:” لا يمكنكِ محاربة الحكومة في النهاية!”. أخبرتني أيضاً إحدى الزميلات وهي ناشطة حقوقية وكاتبة أن أبناء أختها تعرّضا لموقف أبشع وهم أطفال( ٧ و ٩ سنوات) عندما حَضرا لزيارتها، ولم يسمحوا لها حتى برؤيتهما قبل أن يرسلوهما من حيث جاءا، بالرغم أنهم قد سمحوا لهما بدخول البلاد بنفس التأشيرة وبنفس الطريقة العام السابق! حَكَت لي أيضاً صديقتي ما حصل مع أخ صديقتها الذي دَخَل وخَرَج بتأشيرته أربع مرات من وإلى الولايات المتحدة قبل أن تقرّر إدارة الجمارك أن تأشيرته غير مقبولة! كل هذه الشهادات هي أمثلة حيّة على أن العشوائية هي الآلية التي تعمل بها إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية. والأهم من ذلك هو افتقارها إلى أدنى درجات المنطقية في التفريق في التعامل بين المجرمين الذين يُشكّلون خطراً على أمن البلاد وغير المجرمين من المدنيين الأبرياء.

فلماذا يتمّ منع طالبة دراسات عليا لها رصيد سنتين من العمل في منظمات أمريكية حقوقية وخيرية غير ربحية، لا تتوانى عن التصريح بمواقفها ضد العنف وكل أشكال العنصرية والإرهاب، سواء لأشخاص بعينهم في المجتمع الذي تتعامل معه بشكلٍ يومي، أو من خلال كتاباتها على مدوناتها وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا حتى لو كانت تحمل فيزا غير مناسبة لوضعها- الملخبط من الأساس- لم تُعامَل معاملة إنسانية لائقة بشخص أكاديمي واضح الميول والتوّجهات؟ لماذا على الأقل لم يُسمَح لها أن تدخل تحت شرط أن تُعدّل وضعها القانوني ليُصبح موافياً لشروط إدارة الجمارك؟ ولماذا سُمِحَ لها بالدخول عبر نَفس المطار في العام السابق وبنفس التأشيرة دون إبداء أي استغراب أو أي أسئلة بشأن عملها بالرغم من أنها تحمل فيزا طالبة؟ ألا يعني ذلك أن موظفي إدارة الجمارك يعلمون بوجود حالات كثيرة مشابهة، وأن حالات مَن يحاولون تصحيح وتعديل وضعهم القانوني أو جعله أكثر استقراراً ممن لا يحملون ال(جرين كارد green card) لا تستدعي الكثير من التوقّف؟ لماذا لم أُوضَع على برنامج ال(Visa Waiver Program)، حيث تُدرَس حالة المسافر ويُنظَر في تاريخه ليتم التأكد بأنه ليس إرهابي سابق، ثم يُسمَح له بدخول البلاد ليُصحّح وضعه القانوني، مع أن هذا الخَيار كان مُتاحاً لي كما قال لي الموظّف الوحيد الذي كان مُتعاطِفاً مع وضعي، لكني أحتاج أن أدفع مبلغ (٤٠٠ دولار تقريباً) لكي أوضَع عليه. قلتُ أنني لا أمانع في دفع المبلغ، لكنه تراجَعَ وأوضح لي أن وضعي على البرنامج يعتمد على موافقة رئيسه في العمل، والتي ستتحدّد بعد التحقيق معي! لكني على الأرجح، لم أحز على رضا الرئيس!

لماذا أكتب عن هذه التجربة الآن؟ لماذا لم أكتبها حال حصولها؟ لأني وبكل بساطة كنتُ على درجة من الغضب والسخط لم تسمح لي بالنظر إلى الموضوع بأقل درجة من الحيادية والموضوعية. لا أدعّي الموضوعية أو التجرّد الآن، لكني أرى أنه ما كان ينبغي لي أن أكتفي برأي محامي واحد، خاصةً وأن ذلك المحامي كان يقدّم استشاراته للزبائن الذين لا يحتاجون رفع قضايا بالمجان. أرى أنه كان ينبغي أن أقدّم على فيزا أخرى (ربما فيزا سياحة) لزيادة التأكيد ولِسَد الباب أمام أي موظّف يُريد أن يجد سبباً لمنعي من دخول حدود بلاده- جنة الله على الأرض! ومع هذا ما كنتُ لأضمن ردة فِعل موظف إدارة الجمارك لو أنه رأى جواز سفري بثلاث تأشيرات مختلفة!

أما بالنسبة لإدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، فهنا أوجّه لها بعض الأسئلة المُلّحة: هل عملكم هو حماية الحدود ممن يشكلّون خطراً على الأمن القومي، أم أنكم تحمونها ممن يحاولون المساهَمة في بناء المجتمع وإضافة خبراتهم إليه؟ كيف تساوون في معاملة المجرمين وغير المجرمين؟ وهل إذا ثَبُتَ خطأ أو عدم مناسَبة نوع تأشيرة أحدهم، هل يُبرّر هذا التعامل معه كمتهّم محكوم عليه وحرمانه من الحقوق الإنسانية الأساسية في دولة تدّعي الديمقراطية؟ هل يُبرّر ذلك حرمانه من حقه في التواصل مع أهله وذويه؟ هل ينفي حقه في الاتصال بمحامٍ يحضر التحقيق معه ويُوعّيه بحقوقه الأساسية في تحقيقات من ذلك النوع؟ وهل ممارسة حق حرية التعبير في بلد كالولايات المتحدة يُبيح للمحققّين تهديد المُحقَق معهم؟

إذا كانت الإدارة الأميركية- بكل فروعها وأقسامها- لا تعي خطورة التعامل مع المقيمين الأجانب معاملة غير إنسانية ترسّخ الشعور بالفوقية، في بلدٍ بُني في الأساس من تحت سواعِد المهاجرين وعلى شُعلات أحلامهم، فإن “أرض الأحلام” ستصبح مقبرةً للأحلام، لأنها ستحرم نفسها خبرات وجهود الكثير من المهاجرين الذين لن يصعب عليهم الانتقال إلى أي دولة أوروبية يُعامَلون فيها معاملة أكثر إنسانية!

Advertisements

109 thoughts on “قصة اعتقالي في مطار واشنطن ومنعي من دخول الولايات المتحدة: مثالٌ على عشوائية العمل في إدارة الجمارك والحدود الأميركية

  1. اعانك الله اخت هبه والحمد لله على السلامة فعلا التجربة مريرة التي ممرتي بها ، وكشفت الوجه الحقيقي لبلد يدعي الحرية والديمقراطية الزائفة ، وبخصوص افراد الجمارك الامريكيين الموجودين في ابوظبي فهم وجودهم من عدمهم واحد
    لدي اخ سافر قبل شهر للعلاج في امريكا منحة من الدولة
    وعند وصوله مطار لوس انجلس تم تفتيشه والتحقيق معه بشكل مب طبيعي
    ولولا انه اتصل بالسفارة الاماراتية هناك وتدخل احد افرادها لكان لاقى نسف المصير الذي تعرضتي له
    شكرا جزيلا لك
    اخوك
    فهد العولقي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s