أشباح قُمامة


يُحكَى أن بلدةً كانت قُمامتها تتناسل مِن ومَع بعضها. فلما كان كنّاسوها يجمعون حاويات الزبائل ويضعونها في ال( junk yard) أو ساحة الخُردة، كانوا يعودون في الصباح فيجدونها قد تكاثرت! وقد ظَنّ الكناسّون في البداية أنهم يتوّهمون، وهكذا وضعوا علامةً على الأرض ليتأكدّوا أن مساحة القُمامة لا تزيد كل يوم. لكن العلامة كانت قد تغطّت تماماً صباح اليوم التالي بالمزيد من الخُردة! اقترَح أحد الكنّاسين أن يتركوا القمامة في الحاويات ليروا إن كانت ستتكاثر هي أيضاً. وحينما فتحوا غطاء الحاويات في اليوم التالي، كانت بالفِعل قد تَكاثَرَت كما قطة ولود!

كان الكنّاسون خائفين من هذه القٌمامة التي تتكاثر في الليل، لكنهم واصلوا عملهم بالرغم من ذلك. كان عملهم يزداد بازدياد القُمامة كل يوم، وكانت المساحة التي يستطيعون التحرّك فيها تتقلّص تدريجياً، حتى أنهم لم يَعُدوا يَجِدُون مكاناً ينامون فيه! ولماذا النوم والقُمامة لا تتوقّف عن التكاثر في الليل؟

أصبح كنّاسو البلدة مُجهَدِين مع قلة النوم وهزيلين من قلة الأكل. وفي إحدى الليالي وبينما كان الكنّاسون يجمعون أكياس القُمامة ليُلقونها في ساحة الخُردة التي صارت تُشكّل ربع مساحة البلدة، هاجَمَتهم عصابةٌ من القِطط اعتقدت أن الكنّاسين يُحاولون سرقة الثروة الغدائية التي وَجَدَتْها! وهكذا هَرَب الكنّاسون إلى كهوفٍ في بطون الجبال، تاركين وراءهم مكانسهم وهضاب ممتدة من القمامة وقططٌ تسمن وتتكاثر عليها!

ولم ينتبه الشعب في تلك البلدة إلى غياب الكنّاسين إلا بعد أن ارتَفَعَت القمامة في الشوارع إلى مستوى شبابيك البيوت وما فوقها! غَضِبَ الشعب على الكنّاسين المُهمِلين وتوّعدوهم بالعقاب حالما يجدونهم. رَفَعوا التقارير إلى حاكِم البلدة ليُثبتوا فساد الكنّاسين. لكن حينما ظَهَرت الأمراض والأوبئة بسبب العفونة والقذارة في البلدة، صار الشعب يركض بحثاً عن الكنّاسين. وحينما وَجَدوهم مختبئين في الكهوف أخيراً، بدأوا يُفاوضونهم ويعرضون عليهم المكافآت والتعويضات لكي يعودوا إلى العمل! ولأن الكنّاسين صاروا يعتقدون أن البلدة صارت مسكونةً بأشباح القمامة المُتناسِلة، لم يقبلوا العَرض وقرروا الرحيل من البلدة. وَقَفَ الشعب متكاتِفاً- لأول مرة- ليمنعهم من الرحيل، وبات يُقدّم لهم المزيد من الإغراءات لكي يعودوا إلى العمل.

وهكذا كَبُرَت ساحة القمامة وامتدت لتشمل البلدة كلها. فاستعمَرتها القِطط وأعلَنَتها مملكة لها! ولازال الشعب واقفاً أمام الكهوف ليمنع الكنّاسين من الرحيل. واستمرت مفاوضات الشعب والكنّاسين، واختَفَتْ البلدة..!

Advertisements

4 thoughts on “أشباح قُمامة

    • عزيزي السيد/هشام
      بالرغم أني كُنتُ أفضّل ترك النص مفتوحاً لاحتمالات وتفسيرات القارىء، إلا أني سأستجيب لرغبتك. ما أريد أن أقوله هو أن شعب تلك البلدة المذكورة بات يبحث عن حلول معقدة تستلزم أطراف عدة، بينما نَسِيَ أن الحل الأسهل والأكثر جذرية، وهو أن يرمي هو أن يجمع هو قمامته ويرميها بنفسه. لماذا بعض الشعوب لا تحتاج للكنّاسين من الأساس؟ لماذا بعض الشعوب لا تشعر بأي نوع من المسؤولية الاجتماعية تجاه بيئتها ومجتمعها؟ ولماذا تعتمد بعض الشعوب كُلياً على غيرها في قضاء أبسط حاجاتها البشرية؟ كيف أصبحت هذه الشعوب بالعجز والتواكل الذي جعل حتى إلقاء القمامة-التي هي مخلفّاتها الشخصية- بهذه الصعوبة بالنسبة لديها؟

      لهذا قلتُ أن البلدة اختَفَت تحت أنقاض القمامة قبل أن يتحلّى أحد سكّانها بروح المبادرة وبِحس (الفِعل) ويقوم بما يقوم به كل أفراد المجتمعات الأخرى!

      تحياتي لك.
      هبة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s