بيار كَرَم: نحّاتٌ لبناني يتخلّى عن نرجسيته ويهزم الكُتّاب


بيار كَرَم: نحّاتٌ لبناني يتخلّى عن نرجسيته ويهزم الكُتّاب

هبة البيتي

طالما تساءل الكُتّاب عن مدى التشابه ما بين عملية النحت وعمل النحّات وبين عملية الكتابة وعمل الكاتب. ولا زال السؤال الذي يُطرَح: هل الخلق من العدم أصعب أم أسهل، من الخلق من مواد أوليّة جامدة؟ أو بشكل أكثر تحديداً، هل خلق النص الأدبي من العدم أسهل من خلق منحوتة من حجر أو حتى صلصال؟ هل إنطاق العدم أسهل من إنطاق الحجر؟ هل الكاتب يتحرّك بحريةٍ أكبر وفي مدىً أرحب، حينما يخلق عالَم نَصه كيفما يشاء؟ أم أن الكاتب مثله مثل النحّات المحكوم بخواص الحجر الفيزيائية وتفاعلاته الكيميائية، محكومٌ هو الآخر بقواعد اللغة وقوالب الأدب؟ وهل النص الأدبي أو العمل اللغوي عموماً يُولَد من فراغ فعلاً، أم أنه يحصل نتيجة لتراكمات شعورية وخبرات عقلية وشحنات عاطفية عديدة تكون بمثابة المادة الخام التي يصنع بها النحّات منحوتته؟

وهنا يأتي سؤالٌ أهم وأعمق عن عمل النحّات والكاتب أو الفنان عموماً، وعن علاقته بالمادة التي يعمل بها أو عليها لإيصال ما يُريد. هل المادة- اللغة بالنسبة للكاتب والحجر أو غيره بالنسبة للنحّات- مجرد أداة يستخدمها الفنان لإيصال أفكاره وأحاسيسه/رسالته للعالم؟ أم أنه يُطوّع تلك المادة لتصبح مدىً جديد ومساحةً أكبر مما قد اُتفِق عليه ومما يُتوقّع منها، فتصبح بمثابة جسر يتجاوز النظر ويُوصِل إلى عُمق الرؤية وقلب اللامحسوس؟ هل الحجر بالنسبة للنحّات هو مجرد أداة تُساعِده على العبور إلى ضفة البوح والتمرّغ في بحر العناصر الكونية؟ أم هو كينونة يتلبّسها ويتوحّد بها وينصهر فيها، ثم يتجاوزها وينطلق منها إلى فضاءٍ جديد هو كالأكذوبة المدهشة والحلم الشهي الذي يحبّ الجميع تصديقه، لشاعريته؟

هذه الأسئلة وغيرها، تداعَت لي وأنا أتسمّر أمام أعمال النحّات اللبناني العالمي بيار كرم، الذي قام مؤخراً بنحت تمثال من البرونز للفنان مارسيل خليفة. وبيار، القادم من عَمشيت، وهي إحدى بلدات قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان، درس النحت في كييف بأوكرانيا وهو من أتباع المدرسة الروسية في النحت. مع ذلك، هو وَفيٌ لبيئته المتأرجحة بين حلم البحر وقسوة الجبل، الحائرة بين لهفة المراكب وأناشيد الصيّادين، بين يقين الأرض وأسئلة السماء، وبين دهشة المغارات وحكايا الكهوف. بل إن بيار كرم مرتبط بالطبيعة في بيئته بشكل مدهش وعفوي. فترى منحوتاته تُراعي الظروف الطبيعية في بيئته وكأنها كينونات تستشعر حضور عَمشيت، وإن لم تكن الأخيرة مرئية أو موجودة بشكل ملموس. فترى منحوتاته بشُعُور يمشّطها النسيم البحري العَمشيتي (نسبةً إلى عَمشيت)، وأجساد تتحرّى انبثاق الصخور من بين جنباتها، ووجوه تُلملِم ملاءات قسماتها وتفتح من بينها كُوةً لتُداعِب عينيّ الشمس! وهي بذلك تستحضر روح عَمشيت في كل أشكالها وعلى اختلاف تفاصيها!

وبيار كرم يجمع بين الأصالة والحداثة بشكل يجعل تصنيف أعماله أو قسره على مَدرسة فنية معينة من المستحيلات. فبالرغم من حضور الطابع الكلاسيكي الذي تراه في أعمال النحاتين الأوروبيين كمايكل أنجلو أو جان لورينزو برنيني إلا أن الطابع الحداثي حاضرٌ أيضاً، خاصة في المنحوتات المفرّغة في بعض الأجزاء بحيث تبدو ناقصة، وكأن بيار يُسقِطها عمداً لُيتيح للطبيعة خلفها فرصة التفاعل معها. وهذا ما يُسمى تكنيكياً بالخداع البصري أو الترمبلوي (Trompe-l’œil).

photo (10)

إن منحوتات بيار كرم عنصر طبيعي يتفاعل مع عناصر الكون الأخرى، فهي أحياناً جُحْرٌ للشمس وأحياناً أخرى بيتٌ للريح، و مرات مَرسى للبحر ومرات أخرى شاطئٌ للجبل! ومنحوتاته كينونات بحرية وجبلية في ذات الوقت؛ بحرية في انفتاحها على عناصر الطبيعة، وجبلية في وفائها للأرض واعتدادها بشموخ الجبل. وهي كينونات سماوية أرضية؛ سماوية في شاعرية موسيقاها وتطلّعها إلى اللامرئي، وأرضيّة في حقيقية تفاصيلها وشراسة دقائقها وتلبّسها للطبيعة حولها.

300375_1745696661113_1674641206_n

أما الإنسان عند بيار كرم فهو مخلوق عائم بين البشرية والألوهية، بين الضعف والكمال، بين البشاعة الواقعية والجمال الفردوسيّ. هو كائن مائع الملامح، مرعب في تناقضاته، ينبثق من تجاويف الأرض، لكنه يرنو إلى مدارات السماء. هو مزيجٌ من الدمع والهواء والغيم والطين والحجر والماء واالموسيقى والشِعر. فالإنسان في منحوتاته ليس بشراً تماماً، لكنه ليس حيواناً أيضاً، ليس ملاكاً ولا إلهاً. ترى فيه ظلال أنفاس بشرية ولَفَتَات ملائكية، فيه بصمات جذع شجرة سنديان، وأحياناً بقايا عُش نسر، وأحياناً آثار مخطوطة قصيدة عتيقة أو نوتة موسيقية ضائعة، وتارةً مرساة لموجة بحرية مُنكسِرة. وهنا يتجلّى الهَمّ الوجودي لدى بيار ونظرته للإنسان ككائن في صراع دائم مع تناقضاته يُحاول دوماً التفوق على محدودية الطين فيه.

لهذا ليس مُدهِشاً أن تكون منحوتات بيار كرم كينونات متأرجحة بين البشرية والملائكية والطبيعية (نسبة إلى الطبيعة) والموسيقية واللغوية. وهذا يعكس نظرة بيار إلى تناغم العناصر الطبيعية والكونية بالرغم من اختلافها الدراماتيكي. بالإضافة إلى رؤيته إلى تداخل الفنون من موسيقى وشِعر رسم ونحت، حيث تظهر جميعها كَكل مُوحّد غير منفصل عن كينونة الإنسان، وكأنه لا يكون ككائن متفرّد إلا باجتماع كل تلك العناصر وتوحّدها به وتوحّده بها!

photo (12)

وحينما تتأمّل تصوير بيار للأجساد البشرية فإنك تشعر بها مغلولة إلى الأرض، مقيّدة بالصخر، لكنها تتمرّد على قيّدها بتفجّرها على زوايا الغواية وأغصان التغنّج، وكأنها تتكسّر على سطح الموج، لتمدّ نفسها حبلاً يتشبّث بالسماء!

photo (27)

أما موقف بيار من العلاقات الإنسانية عامةً والعلاقة بين الرجل والمرأة بشكل خاص فيظهر بشكل جَليّ في منحتوته (لِقاء)، وهي كما أراها نسخة عصرية لمنحوتة (آدم وحواء)، التي كانت منتشرة كتقليد في الفن التصويري في شمال أوروبا في عصر النهضة. وفي هذه المنحوتة تجد آدم وحواء ملتصقان، لكنهما غير ملتحمان، بالرغم أنهما يَنشُدَان التوحّد. يرنوان إلى بعضهما، ينظران إلى نفسيهما من خلال بعضهما، لكنهما يتطلّعان إلى حلم غامض بعيد لا يصلان إليه لكنهما يَحيان على حلم الارتفاع إلى مداه!

photo (11)

وبالرغم أن آدم أطول من حواء إلا أن الندّية هي ما يطغى على العلاقة بينهما. إنها نديّة لا تتنكّر لاختلاف الطبيعة الذكورية عن الأنثوية، بل إنها تُحافظ عليها. كما أن آدم وحواء ليسا بشريّان تماماً، بل هما أقرب إلى أن يكونا مخلوقات بحرية كما يُوحي شيء أشبه بالذيل في نهاية جسديهما، أو ربما نوتات موسيقية كما تبدو من زاوية أخرى من المنحوتة.

وعادةً ما يُصوّرالنحّاتون والرسّامون الشخصيات الشعبية بحيث يبدوون على شاكلتهم، لدرجة أن بعض النقّاد يقررّون أن النحّاتين والرسّامين لا يستطيعون التخّلي عن نرجسيتهم حينما يُصوروّن غيرهم- والعظماء بشكلٍ خاص.فإذا بهم يُصورّون أنفسهم بشكلٍ أو بآخر سواء بوعيٍ أو بدون وعي منهم. ويزعم هؤلاء النقّاد أن ذلك يأتي كنتيجة طبيعية لانعكاس (أنا) النحّات أو الرسّام على الشخصية التي يُصّورها. فتكون اللوحة أو التمثال هي صورة أخرى للنحّات أو الرسّام، لأنه يعيد اكتشاف نفسه واكتشاف الوجود من خلال عينيّ الشخصية التي يصوّرها. فعلى سبيل المثال، تمثال القديّس شربل يشبه بيار كرم بشكل مدهش!

photo (6)

لكن بيار كرم لم يتوقّف هنا، بل إنه يخرق القاعدة ويتفوّق على نفسه فيتجاوز أناه في تمثال مارسيل خليفة. فمارسيل-التمثال يشبه نفسه بشكل عجيب. إن بيار كرم قد تلبّس روح مارسيل وذاب فيها وانصهر بها لدرجة أنه نسي نفسه فيه. ونَجَحَ بشكلٍ يبعث القشعريرة في اعتقال نظرة مارسيل، بل ولَفَتَاته أيضاً! وبرغم كون ذلك خارقاً إلا أنه ليس بغريب إذا عرفنا العلاقة الوجدانية الفريدة التي تربط بيار بمارسيل بالإضافة إلى صداقتهما القديمة بحُكم أنهما من ذات الضيعة. وكأن بيار في تصويره لمارسيل بهذا الشكل يريد أن يقول أنه كما استطاع مارسيل أن يجعل بيار يتخلّى عن نرجسيته فيجعل يشبه نفسه، فإن مارسيل قادرٌ على جَعْلِنا نتخلّى عن نرجسيتنا، فإذا بنا نشبه أنفسنا حينما نُشبهه! كيف لا ومارسيل مرتبط بهويتنا وذاكرتنا الوجدانية بطريقةٍ تجعله قادرٌ على إحالتنا إلى “مارسيلات” صغيرة وكثيرة؟

photo (13)

هذه هي الوحدة الكونية التي يجعلنا بيار كرم قادرين على استشعارها. وكأننا نتمرّن على التخلّي عن نرجسيتنا لنعود إلى أصلنا؛ كائنات تنصهر في بعضها لكي تتناغم مع بقية العناصر الكونية، فتعزف أوركسترا الخلود على البرونز! فكأن الانسلاخ عن الذات هو بداية التوحّد بالآخر ثم التناغم مع الكون ومن ثم استرجاع الذات من خلال رؤية مكانها من المنظار الأكبر للصورة. هكذا ننظر إلى تمثال مارسيل خليفة، نتوه في أسئلة عينيه، وحينما نتعب من حيرتها نتوقّف لنرتاح على شاطىء الشامة تحت عينه اليسرى، ثم نُبحِر إلى ضوء الحلم الذي يبدأ من كبرياء أنفه وينتهي عند لانهاية المدى الذي يرنو بكل جوارحه إليه!

وعودةً إلى مقارنة الكتابة بالنحت ومدى صعوبة أو سهولة الخلق من العدم مقابل الخلق من حجر أو مادة أولّية. فإنني أستشهد بما قاله هنري ميلر في حوار له مع جورج ويكس:” من بإمكانه أن يبدع شيئًا من الفراغ؟ كل ما نفعله وكل ما نفكر به موجود قبل أن نأتي، ما نحن إلا وسطاء، هذا كل ما في الأمر.” إذاً حتى الكاتب لا يخلق من الفراغ ولا العدم، ولكن الكاتب يكتب على ورقة أو شاشةٍ بيضاء أمامه. أما النحّات فيُحوّل المادة بكل خصائصها الفيزيائية ومع كل صعوبات التحكّم بها إلى ورقة بيضاء، تحتمل كل ألوان الكتابة وجميع خطوط الألوان وأمطار الطبيعة وأمواج الموسيقى!

عذراً أيها الكتاّب، لكني مضطرةٌ لأن أنحاز للنحّاتين، لأنهم يهبونني الأمل أن الطين الذي كنتُه يُمكن أن يصير جناح سماء! وشكراً بيار كرم لأنك علمّتني أن أتخلّى عن نرجسيتي لأنتصر للفن..

نُشِرَت الدراسة  في جريدة الوطن السعودية على حلقتين:

الحلقة الأولى. 

الحلقة الثانية. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s