قال: أَنا خائف- محمود درويش


PD*2334451

قال: أَنا خائف

خافَ. وقال بصوت عالٍ: أنا خائف.

كانت النوافذ مُحْكَمَةَ الإغلاق، فارتفع

الصدى واتّسع: أنا خائف. صمتَ،

لكن الجدران ردَّدت: أنا خائف.

الباب والمقاعد والمناضد والستائر

والبُسُط والكتب والشموع والأقلام واللوحات

قالت كُلُّها: أنا خائف. خاف صوت

الخوف فصرخ: كفى! لكن الصدى لم

يردِّد: كفى! خاف المكوث في البيت

فخرج الى الشارع. رأى شجرة حَوْرٍ،

مكسورة فخاف النظر اليها لسبب لا

يعرفه. مرت سيارة عسكرية مسرعة،

فخاف المشي على الشارع. وخاف

العودة الى البيت لكنه عاد مضطراً.

خاف أن يكون قد نسي المفتاح في

الداخل، وحين وجده في جيبه اطمأنّ.

خاف أن يكون تيار الكهرباء قد انقطع.

ضغط على زر الكهرباء في ممر الدرج،

فأضاء، فاطمأنّ. خاف أن يتزحلق على

الدرج فينكسر حوضه، ولم يحدث ذلك

فاطمأنّ. وضع المفتاح في قفل

الباب وخاف ألا ينفتح، لكنه انفتح

فاطمأن. دخل الى البيت، وخاف أن

يكون قد نسي نفسه على المقعد خائفاً.

وحين تأكد أنه هو من دخل لا سواه،

وقف أمام المرآة، وحين تعرَّف الى

وجهه في المرآة اطمأنّ. أِصغى الى

الصمت، فلم يسمع شيئاً يقول: أنا

خائف، فاطمأنّ. ولسببٍ ما غامض…

لم يعد خائفاً!

 محمود درويش

من ديوان أثر الفراشة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s