“على البال” (إلى طلال حيدر)


 

الشاعر طلال حيدر مع السيدة فيروز

الشاعر طلال حيدر مع السيدة فيروز

 

أهدَتْني الصُدفة فرصة لقاء الشاعر اللبناني طلال حيدر، حيث أقيمت له أمسية شِعرية في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة ( أكتوبر ٢٠٠٩). وغنَّت له الرائعة غادة غانم، بصوتها الضارب في جذور الإحساس والباعث لرعد القشعريرة، بعض القصائد. استبدَّ بِنَا الحنين يومها، واشتعلَ فتيل الذاكرة الموسومة بحميمية الشرق التي لا يعرفها برد واشنطن ولا حتى حرّها! كان يجلس أمامي رجلٌ سبعينيّ يترقرّق فيه البكاء، يلجمه أحياناً، لكنه يركبه معظم الوقت! ربما لم يفهم الحاضرين من الأمريكيين سبب بكاء رجل تلوح له وجوه قديمة وتستبّد به رائحة الحنين إلى ضيعته المنسيَّة وهو يستسلم لأمواج الشِعر والموسيقى! فلابدّ أن تكون عربياً لتفهم معنى وجمالية البكاء شجناً! لابدَّ أن تكون عربياً لِتختَبرَ الحنين إلى وطنٍ جاحد، وكأنه حبيبتك الأولى في استحالتها واستلابها وضعفك الذي لا يتغيّر أمامها!

كان أمامي ورقة وقلم كنتُ قد حضَّرتهما لتسجيل ملاحظاتي وربما بعض الأسئلة. لم أكتب شيئاً يومها، فكيف يمكن أن أكتب وقد أصبحتُ تحت شجرة سنديان على جبل لبنان أشمّ رائحة الصنوبر وأراقب رغيف الشمس ينسكب على الكون وفيروز الرحبانية تصدح في المدى! بعد نهاية الأمسية التي أخذتَنا إلى عوالم عجائبية يُسيِّجها الشجن والحب والإيمان، كتبتُ عبارة وحيدة على صفحتي: “على البال”! حظيتُ بفرصة السلام والحديث مع غادة غانم وطلال حيدر، شكرتُهما على الليلة، وقلتُ لطلال حيدر أنني أردتُ أن أكتب شيئاً، لكنه لا ينكتب إلا على البال! ورجعتُ ليلتها بجوهرتين؛ ديوانه (سر الزمار) مع إهداء مميز سأحفظه لي وللتاريخ إلى الأبد، و سي دي Ave Maria موقَّع بلؤلؤة صوت غادة غانم الذي انفَتَحَتْ صَدَفته لي لأول مرة يومها، فتعرفّتُ على مدى جديد من خلال صوتها!

الأسبوع الماضي ولسببٍ غامض عَنَّ على خيالي طلال حيدر، واجتريّت تفاصيل اللقاء الأول والوحيد عام ٢٠٠٩، وكأنه كان البارحة! وهكذا كانت هذه القصيدة.

“على البال”

إلى طلال حيدر

لأنك لا تَنْكَتِب
إلا “على البالْ”
لم أكتب لك قصيدةْ..
لأن فيك رائحة لبنانْ
خفتُ أن أكون لك قصيدةْ!

ولأن الطفلة فيّ
تشتهي أن تكون غزالاً
“يرعى”
في مروج شِعركْ
وعلى عُشْبِكْ؛
“الداشر فوق هالحيطان”*..
لأن رابعة العدويّة فيّ
تتوق إلى التبرّك
بِخلخال طَيْرِكْ
وتنتشي بالتبتّل
في مِحرَاب حَرْفِكْ…
لأن الشاعرة فيّ
يُرَاوِدُها الخلود
عن نفْسِه
في دفقات حِبْرِكْ..

لأن البُن أبقى
لأن الموت أقربْ
لأن الحِناء أمضى من السيفْ
وأشعر من الشِعرْ..
لأن نُعاس الرملْ أشهى
وغزال الشجرْ أفتنَْ..

لأن الطين لا ينكتِبْ
لأن الماء لا ينحبِسْ
لأن الغيم لا ينكَمِشْ
لأن الشمس لا تَنْسَكِبْ
ولأن الكلمات لا تَنخَرِسْ..
أكتبُك
“على البالْ”
فقط..!

كُتِبَت في مايو ٢٠١٤ بأثر رجعي إلى واشنطن
١ أكتوبر ٢٠٠٩

*إشارة إلى قصيدة (وحدن) لطلال حيدر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s