حلوى العَمّة (قصة قصيرة)


178414792

حلوى العَمّة

هبة البيتي

صوت المروّحة التي تتحرّك بضجر من اليمين إلى اليسار تحت النور الطويل الأبيض هو الصوت الأعلى في الغرفة المستطيلة الصغيرة الممتلئة بالأغراض والتفاصيل. من الصعب تحديد هويّة غرفة بطقم كنب (باطريما)*١ ذي لون زيتيّ يجلس على استحياء مقابل بابها، وبوجود تسريحة صغيرة تقف إلى جانبه عليها كل أنواع العطور العتيقة (الليمون التركي المنعش، والعود الكمبودي، والورد الطائفيّ)، هذا عدا عن التلفاز القديم المُعلّق والمحشور بين الكنب والتسريحة. هو ذات التلفاز الذي لم تُفوّت أي مسلسل يُعرَض فيه أو أغنية تُذَاع عليه منذ اشتَرَته وبات رفيقها بعد موت زوجها منذ سنوات لا تعرف كيف تحسبها. وكأن العمة كانت تُدرك منذ ذلك الحين أن الشخصيات التي تُعايش حيواتهم على الشاشة وتظّل تحكي تفاصيلهم وقصصهم لكل زُوارها هم مَن سيبقون معها لنهاية العُمر يُواسوون وِحدة لياليها وبشاعة صمتها!

من السهل إشاحة الوجه عن السرير الأبيض المُلقى على حافة الغرفة، للتفاصيل المُوخِزة وجعاً التي تعشّش فيه. كيس البول الذي يتدلّى منه ببؤس لم تعد قادرة على مدّ يدها لتُخبئه عمَن يلبس جَلَدْ الأرض ويأتي ليراها وقد باتت أشبه بهيكل عظمي بائس ترفض عظامه التواري تحت التراب! الطاولة المتحرّكة المفروشة بكل أنواع الأدوية وبأطباق الأطعمة غريبة الشكل والمحتوى التي تتركها ممرضتها بعد أن تيأس من محاولة إطعامها! كيف يمكن أن ينجح أحد في إقناعها بشيئ وهي أعند من حجر صلف؟ حتى والدها الذي كانت تدعوه “حبيبي”، لم ينجح في أن يُثنيها عن رغبتها بالزواج من رجل كان يعرف جميع سكان الحيّ أنه أكثرهم دمامة حتى أنهم كانوا يُلقبونه بالفرزدق، وهي التي كان أعيان الرجال يقصدون المدينة من أطراف الحجاز يطلبونها لفرط جمالها وعظيم مكانتها. تلك التي لم تذهب أبعد من المدرسة الابتدائية وبالكاد تكتب اسمها في الأوراق الرسمية، نجحت في إقناع والدها أن ذلك العطّار البسيط هو الرجل الوحيد الذي تراه يمشي معها ويسندها في آخر العُمر. فكيف يجد أبٌ متيّمٌ بابنته سبيلا حينما تحكي له عن رؤيا لا يجد لها تفسيرا سوى أن الإرادة الإلهية تريدهما معاً، وبعد أن يجد عزوفها عن الزواج من غيره حقيقيا، سوى الرضوخ ليرى فُلّ قلبه يتفتّح حينما يراها مبتسمة ابتسامة هانئة! وهي ذات العنيدة التي لم ينجح زوجها في إقناعها بالانفصال عنه حينما عَلِمَ بعجزه عن الإنجاب، فقد كان لسبب أو لآخر يراها تشحذ عواطفهم دون أن يفهم كيف لا يرون أسراب الضوء التي تسكن روحها! كان يراها تشتري بكل ما تملك من نقود أكياس الحلوى وصناديق البسكويت والحليب المُعبّأ في علب بلاستيكية صغيرة مع أعواد مصّاص لتُوزعه على أطفال أبناء إخوتها، والذين كانوا يُنادونَها بالعَمة تيمّناً بآبائهم. كان يغضب حينما يراها تشتري حبهم وتستبقيهم لديها بالحلوى، لكنها كانت تُذكّره كل مرة أن “الأطفال أحباب الله” وأنهم يُحبون الحلوى وهي تحب أن تُسعدهم. مَرَسّ نفسه ليتحمّل وجودهم المتواصل في بيتهما وهو يعلم أنهم لا يأتون إلا لكي يحصلوا على كنوز تلك الحلوى ويتناولوا بعضا من العصائر التي لم تسمح أن يخلو بيتهما منها. وكبر “أحباب الله” ولم تعد الحلوى سبباً كافياً بالنسبة لهم لكي يحضروا لزيارة عمة أبيهم هي وزوجها المقيت الذي قَدِمَت عائلته من شِنقيط!*٢ لكن ذلك لم يُعجِزها عن اختراع أسباب جديدة، فإذا بها تُرسِل أكياس النعناع المدينيّ والمغربيّ وقناني الحليب والمزيد من صناديق البسكويت في بداية كل سنة هجرية جديدة لتستدرجهم لكي يطّلوا عليها. ثم يأتي رمضان وتستعدّ لصرف كل المال الذي يأتيها من تَرِكَة أبيها لتُوزّعه بقشيشاً على كل أفراد العائلة، صغيرها وكبيرها. ويمضي شهر رمضان وهي تُجهز بقشيش كل عائلة وتضع مبلغ كل فرد في منديل وتضعها جميعها في ظرف تكتب عليه اسم العائلة كما تنطقه. وهكذا استطاعت أن تستدرج العيد الذي لم يتجرأ أن يقترب من عتبة بيتهما يوما ليصير ضيفهما مع أفواج الزوار بملابسهم الجديدة وعطورهم المختلفة. والمبخرة الذهبية التي ابتاعها لها والدها قبل زواجها عادت إليها الحياة مع نبض الجمر ورقص خشب العُود وتَلَويّه بين يديه! حتى “الفرزدق” الشنقيطي الذي لم يحبه أحد غيرها وفقراء الحيّ، صار اسمه “عم عبدالسلام” لأن تسليم ظروف البقشيش كان يتمّ بالتناوب بينه وبين العَمّة!

كانت العَمّة تتجاهل كل ما يتطاير إلى أذنيها من تعليقات ساخرة من أسنانها الذهبيّة ومِن لَازماتها في الحديث وقصصها المكررة وتعاطفها الساذج مع شخصيات المسلسلات، ومن إشارات الزوار بين بعضهم وكيف أنه ما جلبهم إليها سوى تلك الظروف البيضاء وما تحمله في بطنها. لم تكترث العَمة، بل كانت تغتنم الفرصة لترتشف من قبلاتهم وتشمّهم بلهفة وتقول بعد استيقاظها:”انتوا ريحة الغاليين!”، دون أن يدروا أنها تستردّ فيهم رائحة إخوتها الغائبين الذين رحلوا وما كانوا راضين عن زواجها، على الرغم أنها لم تغفر لهم عدم غفرانهم لها اختيارها سعادتها!

كانت العَمة تشغل نفسها عن انتظار عم عبدالسلام بتنظيف البيت والعناية بكل تفاصيله الصغيرة، فهي لم تثق يوما في أي عاملة كان يجلبها لتساعدها حينما بدأت أعراض الروماتيزم تظهر على ساقيها. بعدها كانت تنهمك في طقوس زينتها وخلطات الزيوت والأعشاب العِطريّة التي تحضّرها قبل رجوعه من دكانه في سوق العطّارين. كانت العَمة تنتظر دوماً طَرْق الباب، تبدأ يومها وتُنهيه وهي تُعدّ نفسها وبيتها لزائر تُوقن أنه قادم حتما، لكن الزائر الوحيد الذي ما هَمّه وجود الحلوى قد رحل. وهي تُحاول منذ رحيله تخفيف رحلات انتظارها اليومية بمعايشة المزيد من الحيوات والشخصيات على شاشتها الصغيرة، التي أهداها أحد أبناء ابن أخيها الطيبيين خمس قنوات جديدة لا تُعرَض عليها إلا المسلسلات!

الجرس يدقّ، وهو الصوت الوحيد القادر على إحداث استجابة شرطية في جسدها الساكن في عجزه، بل هو قادر على إخراجها من غيبوبتها على ذلك السرير الذي تسحبها ملاءته البيضاء إلى أمواج ذكريات تُهدهد وجعها كغيوم رزينة! تنتفض حواسها بالرغم من تنميلها المستمر وانقطاع الإحساس عنها نتيجة عدم الحركة. ترفع صوتها ما تستطيع لكي تُنادي على الممرضة لتجلب صينية العصائر وطبق الحلوى حتى قبل أن تعلم مَن الطارق! وترفع يديها الخائرتين وتُحاول تهذيب شعرها ما استطاعت. وحالما تسمع وقع الخطوات، يرقص قلبها فرحا وتلبس ذات الابتسامة التي تلبسها منذ سنوات وهي تستقبل مُريدي الحلوى والأظرف! لكن نظرة هلع واحدة في أعين زوارها تجعلها تُدرك أنها لم تعد تلبس ذات الطرحة البيضاء المزيّنة حوافها بالدانتيل لتُخفي جمال شعرها الطويل المغموس في الحنّاء الفاقع، ولا تلبس الثوب الأخضر العُشبيّ الذي توقن أنه يسرّ الناظرين لأنه “لون الجنة”، ولا تتعطّر بالورد الطائفيّ الذي كانت تظنّ أنه يجعلهم يُحبّون تقبيلها أكثر! تنبثق من الذاكرة صورة تُبقي لها بعض كرامة، فتُريها إحدى فتيات أبناء الإخوة وهي تحكي للبقية تلصصّها على العَمة وافتتانها بمشطها العاجيّ الذي كانت تسرّح به شعرها الطويل الأحمر كذيل حصان!

إذن هي تقف أمامهم عزلاء الآن، دون أن تستطيع أن تمدّ يديها جِسراً لتنثر عليهم الحلوى التي أحبّوا، ودون أن تستطيع أن تُضجِرهم بقصص المسلسلات التي لم يدع الوجع لها فسحة لتغرق فيها وتتلهّى بها عن نفسها! ترى الذعر يجتاحهم وهم يروون جسدها المتقرّح وجلدها المتدلّي، وهي تستغيث بهم أن يصبّوا عليه ‘البودرة’ حينما تعتريها هجمات حارقة تنهش مساماتها! هي التي كانت تعتز أن أحدا لم يرَ لون بشرتها سوى عبدالسلام، هاهي تكشف عن أسرار جِلْدها للقاصي والداني! الموت يُداهمها في عيونهم، تجحظ عيناها فتراها تحتضر في مرآة عيونهم. تطلب منهم أن يُنادوا على ممرضتها، فهي تعلم مُسبقَاَ ألا طاقة لأحد بوجعها لأنهم “ليسوا أبناءها” كما كان يقول لها عبدالسلام دوما! يُنادوون على الممرضة، يخرجون ولا يعودون! وبعد أن تمرّ دوامة الوجع وتتركها على حافة الوعي، تُدرك أن زُوارها قد هربوا حتى قبل أن يأخذوا الحلوى! تنظر إلى طبق الحلوى الممتلىء، تبتسم ابتسامة صغيرة، تُغمض عينيها نصف المفتوحتَيْن وتقول لنفسها أنهم سيأتون غدا!

تشدّها غيمة إلى حلم، ترى فيه عبدالسلام واقفا على بوابة السماء، يمدّ يده إليها، لكن يديها كانت ممتلئة بالحلوى، فتبقى مترددة بين أن تأخذ يديه وتُسقِط الحلوى التي حتما ينتظرها “أحباب الله”، وبين أن تُبقي على الحلوى وتتركه يرحل وحده. يشدّها عبدالسلام إليه بقوة فتسقط الحلوى من يديها، ويهمس بَرقّة في أذنها قبل أن تنبس: أنتِ أحلى من كل الحلوى يا ريحانة القلب وقُرنفلة الروح!

*١ كنب ذي مراتب منخفضة بعض الشيء متصلة ببعضها وعادة ما يأخذ شكل زاوية.

*٢  أي أنه من أصول موريتانية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s