السعوديون ما بين الطائفية المقنعة والتعاطف الزائف


السعوديون ما بين الطائفية المقنعة والتعاطف الزائف

هبة البيتي


بعد أحداث الدالوة والقديح ومن بعدها العنود الدامية، التي أودَت بحياة ٣٥ شخصا من بينهم ٤ أطفال على الأقل بالإضافة إلى ١٢٠ جريحا تُوفي منهم اثنان، أدرك مَن لم يكن مدركاً خطر الطائفية على المجتمع السعودي. ولا يخفى على أحد أن هناك عوامل كثيرة ساهمتْ في ظهور الطائفية في المجتمع السعودي، كان من أهمها الفِكر الأحادي والنظرة الإقصائية للمختلف عن المنظومة الفكرية السائدة، التي نَبَعَتْ من البيئة التعليمية وتسرّبَتْ إلى المحيط الاجتماعي لِتَتغَلغل في النفوس ثم تنعكس على سلوكيات الأفراد وتعاملاتهم الإنسانية. وقد تشبّعتْ الأجيال الجديدة بهذا الفِكر الذي لم تعرف غيره، على عكس الأجيال القديمة التي تشربّتْ التنوع الفكري ومَارسَتْ التعدد الثقافي في مناطقها المختلفة. فعلى سبيل المثال، اختلط شيعة المدينة المنورة بأهلها من السنة وعملوا لديهم في مزارع النخيل خاصتهم، ومن هنا أتتْ تسمية معظم عوائل شيعة المدينة ‘النخلي’، نسبة إلى مزارع النخيل التي عملوا بها. وبالرغم أن زواج السنة من الشيعة لم يكن مطروحاً حتى وقتها، وعلى الرغم من حضور التمايز الطَبقي، إلا أن التعايش السلمي كان دَيْدَن العلاقة بين الطائفتين. ولم يتم إقصاء شيعة المدينة ولا التضييق عليهم اجتماعيا حتى لم يعودوا قادرين على المعيشة إلا في منطقة مقتصرة عليهم تقريبا- وهي منطقة العوالي- إلا في العقود الأخيرة، حيث أصبح الاختلاف العِقدي والثقافي وَصْمة بعد أن كانت التعددية هي المُكوّن الأساسي الذي يردِف الثقافة الحجازية ويُغنيها.

ندّد الجميع بأحداث المنطقة الشرقية الإجرامية الأخيرة، وتعاطفَتْ الأغلبية مع الضحايا وعوائلهم وتَدَوَالَتْ صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وطالَب بعض الكتّاب والباحثين بِسنّ قوانين لتجريم الطائفية. بدا الجميع مدركاً وواعياً لخطر الطائفية وتداعياتها. لكن نظرة فاحصة لماهيّة ذاك التعاطف من خلال حوار صغير مع أحد ‘مُدعّي’ التعاطف كفيلٌ بتأكيد حقيقة أن هذا التعاطف ليس إلا تعاطفا ظاهريا. فغالبية المجتمع السعودي متعاطِفة مع الضحايا، لكنها في ذات الوقت غير قادرة على النظر إلى ذويهم كإخوة وشركاء في الوطن بسبب اختلافهم العِقدي والإيديولوجي! وحين يشعر مواطن ما بالأفضلية والامتياز على غيره من المواطنين بسبب اعتقاداته الدينية- بل وأن يستخفّ بتلك الاعتقادات، فهذا يعني أنه في مكان قَصيّ في اللاشعور يرى نفسه وكيلاً لله على الأرض ومؤهلاً لإصدار الأحكام على معتقدات الآخرين. وهذا ليس مؤشرا على مرض عضال هو تضخّم الأنا فقط، بل هو البذرة الحقيقية والخليّة النشطة للمنهج التكفيريّ، الذي يتغذّى على شعور بامتلاك الحق المطلق بحيث يكون حِكراً على جماعة بعينها دون غيرها! هذا عدا كونه اعتراف ضِمني بعدم استحقاق ‘الآخر’- من طائفة الأقليّة- لحقوق متكافئة مع غيره من المواطنين من طائفة الأكثرية!

وهذا يأخذنا إلى سؤال مهم جدا عن ماهيّة وحقيقة مفهوم التعاطف. فهل نستطيع اعتبار ‘المتعاطف’ متعاطفا، إذا كان تعاطفه لا يعدو كونه استجابة انفعالية ورَدّ فِعل طبيعي لرؤية مقتل إنسان قُتِل دون ذنب؟ هذا المتعاطف يمكنه استشعار حزن أب الشهيد وحرقة الأم الثكلى، وقد يكون كريماً بما يكفي لتنهمر دموعه حزناً وتأثراً، لكن هذا لا يعني أنه يعترف بحقّ الشيعي في الحصول على حقوق مواطَنة كاملة تتضمّن حماية قانونية للتعبير عن اختلافه وممارسة شعائره. فعلى حسب المناهج التي يُلقََنُها السعودي في صفوف الدراسة، فإن هذا الشيعي ‘رافضي’ ومن “الفِرَق الضالة” التي لن تحظى بالنجاة يوم القيامة، وهو على حسب التصنيفات السياسية ‘صفويّ’ يخدم أجندات إيران في المنطقة! إن التعاطف بهذا المعنى لا يتجاوز كونه تبرئة للذمة والضمير، وهو لا يغيّر أي شيء في الواقع السعودي الذي بات التوترّ الطائفي ينهش فيه ويخلق شعوراً بعدم الثقة وانعدام الأمان بين المواطنين، فالشيعة يشعرون أنهم مستهدفون من قبل الجماعات الإرهابية بسبب انتمائهم الطائفي، وهذا الشعور بالاستهداف قد ينتج عنه شعور بالظلم خاصة إذا قابَلَه شعور بعدم التعاطف أو حتى التعاطف الزائف من قبل المواطنين السُنّة. وهذا ما يبدو أن داعش تُراهِن عليه من خلال عمليات إرهابية مماثلة من شأنها إشعال فتيل الطائفية في البلاد، ثم توظيفها لصالحها وتفكيك النسيج الاجتماعي وبالتالي القضاء على اللحمة الوطنية.

إذن لابد أن يكون التعاطف الذي نسعى إليه- كمجتمع يدرك أهمية احتواء جميع أطيافه لضمان تناغمها الاجتماعي وائتلافها الوطني، هو التعاطف الذي ينبع من الشعور بالمساواة، التي يجب أن يتمتع بها كل أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو معتقداتهم الدينية أو خلفايتهم الإيديولوجية. فالإيمان بحرية ممارسة الشعائر الدينية الخاصة بكل طائفة وكفالة هذا الحق لكل الطوائف المتواجدة بالمملكة لا يكفي للحدّ من خطر الطائفية. فالأحداث الإرهابية الأخيرة التي حدثتْ في المنطقة الشرقية كانت في مساجد خاصة بالشيعة، وقد اُستهدِفَتْ لأنها خاصة بهم. الشيء الذي يجعلنا نتساءل: ماذا لو كان المواطن السعودي الشيعي محميّاً بالقانون وقادراً على ممارسة شعائره دون مضايقات على الملأ وليس بمعزل عن بقية أفراد المجتمع من دون طائفته، هل كان سيضطر إلى اتخاذ مساجد خاصة ليمارس شعائره؟ ولو كان السعودي الشيعي يشعر بالاحتواء والتقبّل الاجتماعي، هل كان سيحتاج أن يمارس شعائره داخل جدران مسجد كل روّاده من نفس طائفته لكي يشعر بالأمان؟ ماذا لو كانت المناهج في المدارس السعودية تُعلّم الطلاب أن الاختلاف سُنة كونية تنعكس على جميع جوانب الحياة بما فيها الممارسات الدينية محتذين حذو سلطنة عُمان التي نجحتْ في تحقيق الوئام بين جميع مذاهبها وطوائفها المختلفة، هل كان أي سعودي شيعي سيضطر إلى اللجوء إلى ممارسة التقيّة وإخفاء انتمائه خوفا من النبذ الاجتماعي؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى مواجهة كما تحتاج الطائفية المقنّعة إلى تعريّة لأنها أعظم خطراً من الطائفية الصريحة. فالطائفيّة المقنّعة عدوّة المُكَاشَفَة والوعي والنقد الذاتي الموضوعي، وهي رفيقة الإنكار والجهل والتعامي عن المشكلات، فهي كما السُوسة التي تختبىء تحت السطح لتقوّض الأساس!

أما السؤال الجوهري الذي يحتاج إلى الطرح على الساحة السعودية هو: هل يمكن إنقاذ المجتمع من السقوط في براثن التوتّر الطائفي، الذي يتم توظيفه لتنفيذ أجندات جماعات إرهابية تهدف إلى تفكيك اللحمة الوطنية وتقسيم البلاد بناءا على التصنيفات المذهبية والقوالِب الطائفية؟ أم أن الوقت لم يعد في صفّنا بعد أن أنتج كل من الفِكر الإقصائي والمنهج التكفيري أجيالا جديدة ترى الاختلاف أمرا غريبا ومُستهجَناً أكثر من أي شيء آخر؟ هل مِن بارقة ضوء تلمع وكل المنطقة مشتعِلة ومُحاصَرة بذات الاقتتال الطائفي البغيض؟

في هذا المقام لابد من الإشارة إلى الجهد المميز الذي بذله فريق مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في إنتاج فيديو ‘القاتل الخفي’ بعد أحداث الشرقية الدامية، والذي يُسلّط الضوء على خطر الطائفيّة بشكل عام ويُشير ضمنياً إلى الطائفية المقنّعة، هذا عدا تركيزه على أهمية التعايش كقيمة اجتماعية. وبالرغم من أهمية العمل خاصة في هذا الوقت الحَرِج إلا أن إنتاجه يجعلنا نتساءل: لماذا تأخّر إنتاج العمل حتى وقوع الأحداث الإرهابية؟ وإذا كان المركز قادرًا على إنتاجه الآن، أوليس قادرًا على إنتاج أعمال مماثلة بشكل مستمر؟ الشيء الذي يُثير أسئلة أوسع وأعمق عن العقلية العربية التي لا تأخذ الأمور بشكل جِديّ إلا بعد وقوع الكارثة وانهيار البناء!

في مجتمع مُلغَّم بالطائفية- المقنَّعة والصريحة على السواء- من جهة، ومُحَاصَر بالتعاطف الزائف من جهة أخرى، لا أمل في النجاة من التوتُّر الطائفي إلا بالاعتراف والوعي بالطائفية المقنّعة قبل الصريحة، ومحاصَرتها بالمساءلة والمناقشة ثم اقتلاعها من جذورها من خلال ممارسة تعاطف حقيقي مع الآخر- المواطن من الطائفة الأخرى- أي الوصول بالتعاطف إلى درجة التوحُّد به والإيمان به كأخ في الدين-وقبلها الإنسانية- وشريك في الوطن بحقوق مُساوية ومصالح مشتركة. للوقوف في وجه ريح الطائفية التي لا تُبقي ولا تَذَرْ لابدّ من تضافر جهود الأكاديميين والباحثين والمثقفين لتأسيس خطاب ثقافي قائم على التعدد والتنوَع الفكري ينعكس في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة المجتمع المَدَني والبدء بتفعيّل دور مؤسساته في المجتمع. فلا حلّ إلا بترسيخ فكر مُنفتِح على التعّدد ومُتسامِح مع الاختلاف كبديل للفكر الإقصائي، وتدشين منهج نقدي موضوعي مُقَابِل المنهج التكفيري.

نُشِر بتصرف على موقع فكرة حرة. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s