نوال السعداوي: الطفلة التي تحدّتْ النظام التعليمي والمرأة التي رفضتْ الأحكام والتصنيفات الجاهزة: “لا أخاف الموت وليس هناك صراع محلي ولا عالَم ثالث”


  

نوال السعداوي: الطفلة التي تحدّتْ النظام التعليمي والمرأة التي رفضتْ الأحكام والتصنيفات الجاهزة:

“لا أخاف الموت وليس هناك صراع محلي ولا عالَم ثالث”

لندن: هبة البيتي

كجزء من فعاليات توقيعها على نسخ جديدة لكتبها ‘امرأة عند نقطة الصفر’ و’الوجه الخفي لحواء’ و’الآلهة تموت على النيل’، قامت الدكتورة والباحثة والناشطة المصرية نوال السعداوي بتلبية دعوة مؤسسة ‘من أجل الكتب For Books’ Sake’ يوم الأربعاء ٢٨ أكتوبر وزارت مقر ‘نادي الكتابThe Book Club’ في منطقة شورديتش بالعاصمة البريطانية لندن. وقد حاورتْ مديرة المركز جين برادلي السعداوي في لقاء مفتوح وعفوي، أظهرتْ فيه السعداوي الجانب الإنساني منها، وتحدثتْ عن تجربتها الأدبية والإنسانية بقدر كبير من البساطة والعفوية. 

بتواضع نادر لمن هم في مكانتها وبتجربتها، ترفض السعداوي إحالة شجاعتها إلى امتياز فردي أو موهبة خاصة، بل إنها تتحدث عن الشجاعة كعملية تراكمية في صراع الإنسان الأبدي مع مخاوفه، يكتسب مع كل معركة فيها الثقة بقدرته على مواجهة الصعاب والتحديات. فالشجاعة ليست صفة أصيلة في الإنسان، لكنه قادر على اكتسابها مع مرور الوقت. فنحن، على حسب السعداوي، نولد مع الخوف ونعيش فيه ونموت منه، والقلائل منا الذي يصلون إلى التحرر من الخوف، هم أولئك الذين فقدوا شعورهم بالتملّك وترفّعوا عن رغباتهم وسَوَّفوا حاجاتهم.

“المتحررون هم أولئك الذين لا يريدون شيئا، ولا يخافون شيئا، ولا يأملون في شيء”

وحين تتحدث السعداوي عن الشجاعة لابد أن تحضر بطلة روايتها ‘امرأة عند نقطة الصفر’، <فردوس> التي تقول عنها أنها أشجع وأشرف امرأة قابلتْها في حياتها. تحدثّتْ عن الساعات الطويلة التي قضتْها على أرضية زنزانة <فردوس> لتستمع إلى الجانب الخفي من قصتها التي لم تكترث بالبوح بها لأحد غيرها. وهل يكترث العالم بشيء سوى الأحكام المسبقة والتصنيفات الجاهزة والآراء المعلّبة!

حكتْ السعداوي أنها كانت تشعر أن تلك المرأة تمثِّلها وتشبهها إلى حد كبير، وأنها كانت تستغرب أن الكثير من القرّاء-من الإناث خاصة- كانوا يشعرون بذات الشيء بالرغم من اختلاف ظروفهم الحياتية والنفسية. وهذا يشير إلى نقطة هامة في نجاح أي عمل أدبي وهي قدرة الكاتب على إضاءة دهاليز الصراع البشري المشترك بشكل يجعل القارىء يشعر أن مأساة البطل هي مأساته الشخصية بغض النظر عن تشابه أو اختلاف التفاصيل أو الظروف الخارجية. وهذه القدرة على سبر أغوار النفس البشرية هي من لوازم اجتراح الأدب والتي تقول السعداوي أنها صُقِلَت وتبلورتْ لديها مع تجربة دراستها للطب وممارستها لمهنة الجراحة. فرؤية جسد الإنسان ومعرفته من الداخل تمدّ جسرا إلى مغاور النفس وتفتح كُوات في مجهول الروح. هكذا استطاعتْ أن تجد الحلقة المفقودة التي تربط بين العقل والجسم البشري وبين النفس البشرية. وهكذا أثْرَتْ تجربة الطبيبة خيال الأديبة ولقحّتْ خبرة الإنسانة وأكسَتْها ثوب الحكمة.

وحكمة الأديبة لا تتعارض مع جنونها ولا تتنافى مع تمردها، اللذيْن وُلِدَا معها وأخذتْهما إلى مدرستها فكانا سبباً لأن تُقرّر مُدرسّتها بأنها ستُحرَق في نار جهنم. وعادتْ السعداوي الطفلة إلى البيت باكية تشكو لأمها بؤس مصيرها الآخروي. فإذا بأمها تُطمئنها وتقول أنه لا شيء هناك اسمه جهنم- على الأقل بالشكل الذي يتحدّثون به في المدرسة. وكانت تلك بداية تحرّرها من خوفها وإمساكها بخيط المواجهة التي أَسّسَت للعملية التراكمية التي أكسبَتها الشجاعة اللازمة لأن تكون كائنا مستقلا وحُرا. وكان سَرْد هذه القصة إشارة لأهمية التربية الأسريّة في تشكيل الوعي الفردي في محاولة غير مباشرة للتفريق بين التعليم والوعي.

فبالرغم أن السعداوي تقول أننا نتاج التعليم الذي نتلقّاه في حياتنا إلا أن ما تعنيه فعلا هو أننا نتاج ردود أفعالنا وطريقة تعاملنا مع ذلك التعليم، فإما أن نقرّر أن ننطوي تحت جناحه وإما أن نقرّر أن نتمرّد عليه ونتجَاوَزه. وهكذا نحدّد الوِجهة التي نريد أن نكمل عليها طريق حياتنا. لهذا لم يكن غريبا أن تبتكر السعداوي مادة جامعية جديدة حول علاقة الإبداع بالتمرّد ظلّت تدرسّها في جامعة يورك بالولايات المتحدة لسنوات.

ولأن السعداوي قررتْ تجاوز النظام التعليمي الموجود في مصر، ولأنها مارستْ حقها في التفكير والتعبير عن وجودها وهواجسها ولم ترضخ لأي نظام، فقد قامت بِنشْر مجلة نسوية كانت السبب في اعتقالها في الثمانينات في عهد الرئيس أنور السادات. وبالرغم أنها اضطُرَتْ إلى ترك مصر عام ١٩٨٨ بعد تلقيّها تهديدات بالقتل من قبل الإسلاميين إلا إنها لم تقع فريسة الخوف يوما، بل ظلّتْ تصارعه إلى أن قَتلَتْه. قَتَلَتْه بمواجهته والتحديق في عينيه، فقررتْ العودة إلى مصر عام ١٩٩٦. وهكذا تقول السعداوي أنها لم تعد تخاف من شيء حتى الموت ذاته. لهذا لم يمنعها شيء من النزول إلى ميدان التحرير والانضمام إلى شباب ثورة ٢٠١١. 

وحينما تتحدّث عن صراع الإنسان مع الخوف، فإنها تتحرّر من كل القوالب الجِندريّة والإيديولوجية التي يضعها الكثير تحتها، وتشدّد على أنه وإن كان صراعا شخصيا فهذا لا يمنع كونه صراعا عاما. وتعريجاً على صراع الإنسان الحديث مع ترسانة الرأسمالية، فإن السعداوي تؤكد أنه صراع مشترك بين كل المجتمعات كما أنها ترفض استخدام تعبير ‘صراع أو نضال محلي’، لأن كل ما هو ‘محلي local’ هو ‘عالمي global’ على حسب زعمها. كذلك هي ترفض تقسيم العالم إلى أول وثاني وثالث، ف’العالم هو العالم’ على حد قولها.

وبعيدا عن القضايا الوجودية والسياسية، تُميط السعداوي اللثام عن الوجه الأجمل والأنقى فيها وهو الطفلة فيها، فتطلب من المُحاوِرة أن تعيد عليها الأسئلة مرارا وتكرارا، ثم تطلب منها أن تُحدثّها بإنجليزية بلكنة مصرية لأنها لا تستطيع فهم لكنتها البريطانية فينفجرالحضور ضاحِكا. وحين فُتِحَتْ المنصة لأسئلة الجمهور، طلبتْ السعداوي من السائلين الصعود إلى المنصة لتراهم وتتحدث معهم عن قرب، لنرى المعلّمة المتمكّنة من أدوات تواصلها مع تلاميذها القادرة على خطف الأنظار والألباب. هكذا يرحل الجميع آخر الأمسية ضاحكين دون أن يدركوا أن السعداوي كانت قد ألقتْ في عقولهم نقطة ضوء تتمدَّد فيهم مع كل سؤال يتبعونه ومع كل ‘لا’ يُشهرونها في وجه المسلمّات التي تأخذ شكل اليقين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s