ثورة بدم الياسمين..


 

ثورة بدم الياسمين.. 

في مسرحية (ناطورة المفاتيح) للأخوين رحباني، حينما تضيق الأرض بالشعب ويُحاصرهم القهر والجوع، يُقرروا الهرب إلى مجهول الأرض على أمل أن تُشفِق على تعب أيامهم وبكاء أطفالهم. لم يُدرك الشعب وقتها أنه لا وجود لملك دون رعية، واعتقدوا أن غيابهم لن يهزّ عَرش المَلك. لكن (زاد الخير)، التي رفضت الهرب وجعَلت نفسها ناطورةً البيوت المهجورة، أدركت –باعتبارها ممثلة (الرعية)- بأنه لا قيمة لسُلطة الجلاّد حينما تهرب الضحية.

هكذا أسقَط الشعب- دون أن يدري- مَلِكَهم في المسرحية. أما في تونس، فإن الملك يهرب  ظاناً بسذاجته أن باستطاعته إسقاط الشعب! زين العابدين بن علي يهرب من تونس مراهِناً على قدرة تجّار الحروب والمرتزقة على إشعال فتيل الفوضى و إخماد غضب الشعب بنار الفِرقة.. لكن ثورة الشعب التونسي كانت تمتد و تكبر لتُطوّق أذرع الخوف وتطعن كل أسباب الفِرقة في مقتلها!  لم يأخذ التونسيون خَيار الرحيل، لأنهم أدركوا بحِكمتهم الفطرية أن الهرب من (الظُلم) إلى (الخوف) هو منفىً أبدي و موتٌ بطيء وذليل! لم يهرب الشعب التونسي لأنه كان يعلم أن هروبه لن يُسقِط زين العابدين. فقد استفاد التونسيون من تجربة (زاد الخير) وتوقّعوا أن زين العابدين مستعدٌ أن يخلق رعيةً من الجِن أو من الفضاء، ليظلّ مُغمَماً بأكذوبة السلطة!  لهذا قرروا الاحتيال عليه والسماح له بالهروب بحقائب منتفخة بالذهب وبالمال غارقاً في وهمه بأن ماله سيُعيد له سُلطَته؛ من منطلق أن المال هو الحاكم! لكن حالما صار زين العابدين بعيداً، أدرك –متأخراً-  ما قالته (زاد الخير) للملك المهجور “إزا ما في ناس لشو المال”، وأن ماله صار منفاه!

كما كانت (زاد الخير) ناطورة البيوت وصوت الشعب المهاجِر،  كان (بو عزيزي) حطب الثورة وناطور الحناجر المختنِقة بصدئها.  بو عزيزي لم يُشعِل النار في جسده، بل أشعلها  في أطراف الشعوب العربية المخدّرة بالخوف.! لم يفقد بو عزيزي إيمانه بالحياة أو بالشعب التونسي، لكنه أحال جسده سِراجاً يرى به كل الشعب العربي حروقه المتعفّنة! أراد بو عزيزي أن يُرينا بشاعة الحياة الذليلة التي صرنا نرتضيها لأنفسنا. أراد أن يحرق أطرافنا لكي نشعر بها!

بو عزيزي لم يكن يائساً حينما أحرق جسده، بل كان مُحتجاً يبعث صوته إلى قمم النار و يُمثّل بدم غضبه على جذوع ياسمين تونس!

يقول منصور رحباني في مسرحية (آخر أيام سقراط): “إذا لم يُوقّع الإنسان على كلامه بدمه، لا يثبت هذا الكلام. الدم حبر الحقيقة!” فهل يُمكن للشعب العربي أن يتجاهل حقيقة هَوَانه بعد أن قدّم له بو عزيزي دمه على ياسمينة جسده!

هبة البيتي

واشنطن –دي سي 

٣٠ يناير ٢٠١١

 نُشر على صفحتي الشخصية على موقع فيسبوك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s