في مجلة #المجلة: العرب وأزمة التعريف بالثقافة العربية في المجتمعات الغربية


d984d8a7d8acd8a6d98ad986-d8a7d988d8b1d988d8a8d8a7-620x330

العرب وأزمة التعريف بالثقافة العربية في المجتمعات الغربية:

لا دراسة للعالم العربي دون دراسة أدبه وفنونه.. 

هبة البيتي 

تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن عدد لاجئي العالم ٦٥ مليونا معظمهم من العرب والمسلمين اللاجئين في زيادة ملحوظة خاصة بعد تأزم الأوضاع في سوريا واليمن ومع حصار الجماعات الإرهابية لمعظم الدول العربية. هذا عدا عدم الاستقرار السياسي الذي تعانيه كثير من الدول بعد إرهاصات الانتفاضات العربية منذ ٢٠١١. وبغض النظر عن احتمالية ارتفاع أو انخفاض هذه النسبة بعد هجمات باريس الأخيرة، إلا أنها نسبة مخيفة وتستحق التوقف لأكثر من سبب، أهمها تغيّر ديموجرافية المجتمعات الغربية واتساع رقعة الأقليات فيها وبالتالي زيادة ثقلها المجتمعي، هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فإن تدفّق اللاجئين والمهاجرين على السواء يؤدي إلى ازدياد احتمالية تعرّض هذه الفئات للتهميش والتمييز وانتكاسات الهوية على صعيد. وعلى صعيد آخر، فإنه يرجّح احتمالية انصهار تلك الفئات في النسيج الاجتماعي وردْم الهوات الفكرية وإذابة الاختلافات الثقافية بينها وبين المجتمع الجديد.

هذا يعني أن السواد الأعظم من الجيل العربي الجديد سيكون معلّقاً بين أرض سيكبر فيها ولا ينتمي إليها، وبين أرض لا يعرفها لكنه يرتبط بها وجدانيا وعاطفيا أكثر مما يفعل ثقافيا وفكريا. ويعني أن هذا الجيل نفسه سيكون معلقا بين لغتين؛ واحدة يفكر بها ويتحدثها بطلاقة، وأخرى يحسّ بها لكنه لا يعرف أسرارها ولا يمتلك ناصيتها. مما يعني بالنتيجة أن الغربة المزدوجة هي مصير شبابنا، فهو غريب عن أهله وغريب عن المجتمع الذي وُلد فيه ويعيش فيه ولا يشعر أنه جزء منه بالرغم من كل محاولاته.

وكنوع من رد الفعِل المُقاوِم، فإن هؤلاء المهاجرين- جبريا أو اختياريا- سيحملون عبء التعريف بثفاقتهم وتسليط الضوء على ما يخفى منها على المجتمع الذي يعيشون فيه للتقليل من نسبة ‘استهجانها’ ووضعها في قفص الاتهام. وهذه أشبه بعملية يمكن تسميتها ‘إلحاح ثقافي’، وقد أدت إلى زرع الفضول في تلك المجتمعات لدراسة لغات وثقافات المجتمعات الشرقية التي ذابتْ بشكل أو بآخر في بَوْتقَتهم. وهذا يُفسّر انتشار اتجاه الدراسات الشرقية في الأوساط الأكاديمية الغربية. لكن غالبية تلك الدراسات تعنى بدراسة العلوم الاجتماعية ولا تُعطي اهتماما كبيرا لدراسة أدب المنطقة.

ولقد أشار إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) إلى كارثة الفصل بين الأدب والسياسة-العلوم الاجتماعية بشكل عام- وخطورة عدم تضمين الأدب في الدراسات الشرقية. فيؤكد سعيد أنه وبالرغم من الاهتمام الأمريكي بدراسة العلوم الاجتماعية في الشرق الأدنى، إلا أن اهتمامهم هو اهتمام بالحقائق فقط، لأن النص الأدبي يشكّل نوعاَ من التشتيت أو الإلهاء عن تلك الحقائق. أما النتيجة الحقيقية لإغفال الأدب في تلك الدراسات-على حسب سعيد، هو أننا كعرب أصبحنا مختزَلين إلى “مواقف واتجاهات وإحصاءات” وبعبارة أخرى “مجردّين من الإنسانية” في وعي الإنسان الأمريكي المعاصر. وإن كان سعيد يتحدث عن الحالة الأمريكية-الشرقية بشكل خاص إلا أن تحليله ينطبق على العلاقات الشرقية-الغربية بشكل عام.

said

مع ذلك، أدرك بعض المهتمين بالشرق والمتخصصين في الدراسات الشرقية أهمية دراسة الأدب من خلال الترجمات الأدبية المتوفرة أو من خلال دراسته في لغته الأصلية. وكان من أوائل الباحثين والمترجمين الذين أدركوا أهمية ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية هو دنيس جونسون ديفز وهو من مواليد مدينة فانكوفر بكندا، والذي كان إدوارد سعيد قد أطلق عليه لقب “زعيم مترجمي العربية إلى الإنجليزية في وقتنا الحالي”. هذا عدا أنه أول مَن بَادرَ بترجمة إحدى روايات نجيب محفوظ وذلك قبل حصوله على جائزة نوبل. لكنه اضطر لإعادتها أدراجه المغلَقة لأنه لم يجد دعما معنويا ولا ماديا لتمويل مشروعه. وإن كان هذا يدلّ على شيء فإنه يدلّ على عدم وعي الشعوب العربية في العصر الراهن بأهمية ترجمة آدابها وفنونها إلى اللغات الأخرى. فعلى حسب مجلة المستقبل العربي (عدد 287، 2003، ص 75- 76)، فإن العرب مجتمعين يترجمون في العام ٣٣٠ كتاباً هو ما يعادل خمس ما تترجمه اليونان وحدها في السنة.

naguib-mahfouz

وعودة إلى ديفز الذي أخذ على عاتقه ترجمة روائع الأدب العربي إلى الإنجليزية لشعوره بالمسؤولية تجاه تعريف الغرب بالأدباء العرب وخاصة غير المشهورين منهم وقتها. وأذكر منهم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر بعض الأدباء الذين لم يكونوا معروفين سوى إقليمياً كيوسف إدريس والطيب صالح والذي ترجم ديفز الكثير من أعمالهما. ويذكر ديفز في حواراته بأسى عدم إعطاء الطيب صالح حقه لا عالمياً ولا عربياً بالرغم من عبقريته التي لن تتكرّر. وهو لا يتحرّج من التصريح بأن ترجمة أعمال محفوظ إلى الإنجليزية، حيث وقعَّت مطبوعة الجامعة الأميركية في القاهرة معه اتفاقية نشر شامل لتصبح ناشره الرئيسي باللغة الإنجليزية ووكيله العالمي لجميع حقوق الترجمة عام ١٩٨٥، كانت عاملاً جوهرياً لفوزه بجائزة نوبل. وقد كتب محفوظ بعد فوزه بجائزة نوبل ما يدعم رأي ديفز، حيث قال أنه من خلال ترجمة تلك الروايات إلى الإنجليزية أصبح الناشرون الآخرون على علم بوجودها ثم طلبوا ترجمتها لغيرها من اللغات الأجنبية، وأن تلك الترجمات كانت من بين الأسباب الرئيسية لحصوله على جائزة نوبل.

johnsondaviesmahfouz

وفي هذا الرأي تحديداً، الذي لا يٌقلّل بأي شكل من شأن نجيب محفوظ ولا من شأن أعماله، تكمن الإجابة على سؤال: هل ترجمة الأعمال الأدبية العظيمة هو سبب وصولها إلى الثقافات الأخرى وانتشارها عالمياً، أم أن ترجمتها ليست سوى نتيجة لنيلها جوائز إقليمية؟ من الجدير بالذكر أن ليس كل ما يُترجَم من الأدب إلى لغات أخرى غير لغته الأصلية يستحق أن يُترجَم أو أن يُمثّل ثقافة كاتبه. لكن الواقع يقول أن ما يُترجَم من الأدب إلى اللغات العالمية هو القادر على تخطّي حواجز اللغة والجغرافيا وخرْق قوانين الزمن وشغْر مساحة في مدار الخلود بالوصول إلى أيدي المهتمين من جميع الثقافات.

0e3eb08e-ed9c-48d9-b7c1-103ba6115dd1-2060x1236

وعند الحديث عن حركة ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية لابد من ذكر الروائي والشاعر والباحث والمترجم العراقي سنان أنطون الذي يحمل لواء هذه الحركة منذ ترجمته شعر الشاعر العراقي سركون بولص ثم ديوان محمود درويش (في حضرة الغياب) ونيله عليه جائزة الترجمة الوطنية عام ٢٠١٢ من قبل اتحاد مترجمي الأدب الأميركيين. ناهيك عن جائزة ‘سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية’ لعام 2014، عن ترجمة روايته وحدها ‘شجرة الرمان’.

لكن السؤال الأهم هو: هل الاهتمام الغربي بالأدب العربي اهتمام حقيقي؟ وهل يخرج هذا الاهتمام عن أسوار المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث؟ كم غربيا سمع عن أو قرأ أعمال نجيب محفوظ المترجمة- وغيره من عمالقة الأدب العربي- بعيدا عن الفصول الدراسية؟ يجيب أنطون على هذا السؤال في حوار له مع الجزيرة نت: “ما يتم الاحتفاء به والإجماع حوله من الأدب المترجم من العالم العربي غالبا ما يكون ذلك الذي يعيد ترسيخ صور مبسطة استشراقية عن الآخر.” كما أنه يتحدث في حواراته عن حركة الترجمة الأدبية ذاتها كاستجواب ثقافي لكل ما له صلة بالعالم العربي والإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة- وربما الثالث عشر من نوفمبر عما قريب.

لكي تخرج ترجمات الأدب العربي من دائرة ‘الاستجواب الثقافي’ وتستردّ دورها القديم كمحرّض ثقافي، لابد أن تتغيّر نظرة الغرب لنا ويعتبرنا ندا وشريكا في المجتمع الإنساني. ولكي يرانا الغرب في صورتنا الإنسانية، لابد من تضمين دراسة الأدب كافة الدراسات المتعلقة بالعالم العربي. فمَنْ يعتقد أنه بإمكانه فهم ثقافة مجتمع ما -بما فيها سياسته- دون الرجوع إلى آدابه وفنونه فهو واهم. والباحثون الذين يعتقدون أنه بالإمكان فصل الأدب عن السياسة وعن أي فرع من فروع المعرفة لن تتعدى معرفتهم بالمنطقة القشرة السطحية والصورة النمطية. فالأدب هو التجسيد الحقيقي لما يُلامس الوجدان الجمعي لمجتمع ما بجميع طبقاته وعلى اختلاف مشاربه، لأنه ما يعكس همومهم وأحلامهم وخيباتهم. وهنا لابد من التأكيد على الدور التكميلي للفنون السمعية والبصرية في التعريف بثقافتنا وإظهار البعد الإنساني لمجتمعاتنا.

إن تعريف الإنسان بثقافته هو جزء من ممارسته لها، وهو نوع من تحقيق الهوية وإدراكها، وهو أشدّ ما يكون كذلك للمهاجرين متشظيّ الهويّة، الذين يجدون في كل ما يُمثِّل ثقافتهم حبل نجاة من العدميّة التي يعيشونها في محاولاتهم اليومية للتكيّف مع الآخر وتجميل صورتهم أمامه..وحريٌّ بالمهاجرين العرب أن يرفعوا أصواتهم للغرب: اقرؤوا أدبنا واطلّعوا على فنوننا لكي تَرَونا وحينما تَرَوننا ستعرفوننا..

  • (إدوارد سعيد ١٩٧٩: ص. ٢٩١)
  • سنان أنطون.. الأدب أنيس في الجحيم الأرضي

http://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2015/3/13/%D8%B3%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A3%D9%86%D9%8A%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AD%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6%D9%8A

نُشِر في مجلة المجلة، العدد ١٦٢٠ يونيو/ حزيران ٢٠١٦ (ص ٦٤-٦٥). 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s