في #مجلة_المجلة: مغتربو لندن يُقيمون في الذاكرة


 

d8a7d984d985d8afd986-d984d984d8afd8b1d8a7d8b3d8a9-d981d98a-d8a8d8b1d98ad8b7d8a7d986d98ad8a7-d984d986d8afd986-e1462949912888


مغتربو لندن يُقيمون في الذاكرة

هبة البيتي- لندن

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش أن علاقة المغترِب بالزمن دائما مُلتبِسة، فالزمن لديه متوقّف عند نقطة ما قبل المنفى، فإذا به يحتفظ بالأشخاص والأشياء كما كانت قبل رحيله دون أن يُقيم وزنا للتغيير الذي يُمكن أن يُحدثه عامل الزمن. وفي حوار مع الشاعر اللبناني وديع سعادة على قناة الميادين يقول زاهي وهبي أنه بالرغم من إقامته في أستراليا إلا أن شعره يُشعر القارىء أنه لا يزال يُقيم في لبنان، فيفرّق سعادة بين الإقامة الجغرافية في مكان معين وبين الإقامة العاطفية في ذاكرة مكان آخر. ويُقّرر بعدها أننا “لسنا حاضرين الحضور الفعلي. هناك دائماً ذات غائبة لدينا”* بسبب التباين بين الإقامتين- الجغرافية والعاطفية. وهو ما يؤكد عليه إبراهيم الكوني في نقاشه لمسألة الاغتراب، فيقول أن هناك وطن ‘يسكننا’ ووطن ‘نسكنه’ وأن “الوطن الذي يسكننا هو الأنبل دائما.”*

إذن فإن علاقة المغترب بالمكان مُلتبَسة أيضاً، فهو وإن كان يُقيم في بلد بعيدة إلا أنه يظلّ يستحضر ذكرياته التي تسكنه، بل ويُحاول أحيانا اجترارها واستيلادها في مكانه الجديد. وفي محاولاتهم للتحايل على الذاكرة، يجد المغتربون أنفسهم في حالة خلق لذاكرة جديدة، تكون في ذروتها في مواسم الأعياد والمناسبات الخاصة، حيث يَلفَحهم الحنين إلى طقوس اعتادوا ممارستها منذ طفولتهم في بلدانهم. فإذا بهم يُحاولون مُعايشتها من جديد في مكان مختلف وفي ظروف مختلفة. لهذا تجد المغتربين العرب في العاصمة البريطانية لندن يتوافدون على التجمعّات العربيّة ليعوّضوا افتقادهم للتجمعّات العائلية الكبيرة في عيد الفِطر. فبعضهم يذهب لتناول العشاء في المطاعم العربية لكي يشعر بالمشاركة الوجدانية والتآلف الاجتماعي، والبعض الآخر يُفضّل الذهاب إلى المساجد لإقامة صلاة العيد للاحتفال مع غيره من المسلمين هناك. لكن طبيعة الحياة الرأسمالية برِتمَها السريع تحدّ من قدرة المسلمين-خاصة الطلبة والعاملين- على المشاركة في الكثير من الفعاليات الاجتماعية والثقافية في لندن.

وبحديثي مع بعض العرب المُقيمين في بريطانيا تبيّن لي أن جميعهم يتفقّون أن العيد هنا يختلف- إلى حد التباعد- عن العيد في البلدان العربية، حيث تأخذ طقوس العيد الصبغة الاحتفالية وتُشكّل المشاركة الجماعيّة مع الأهل والجيران والأصدقاء المَعلَم الأهم لها. فبالرغم من سهولة الحصول على المأكولات التقليدية المرتبطة بالعيد سواء من البقالات أو المطاعم العربية، إلا أن افتقاد الأجواء الكرنفاليّة في الشوارع بالإضافة إلى دفء العائلة الكبيرة وحميميّة الأصدقاء، ناهيك عن بعض الطقوس التقليدية كَتوزيع العيدية على الأطفال، وتبادل الهدايا بين أفراد العائلة، وحلويات العيد التي تُبَاع على الأرصفة، وزيارات الأهل ورحلات الحدائق والملاهي، وبرامج وأغاني العيد، كل ذلك يجعل من العيد بالنسبة للمغتربين تجربة منقوصة.

وإذا كانت الثقافة الفردانية تُسيطر على جميع مناحي الحياة في المجتمعات الغربية، فإن العيد يبدو مصبوغ به أيضا. تقول علياء باكير وهي طالبة دكتوراة سعودية بجامعة لندن أن العيد في بريطانيا هو “تجربة يغلب عليها الطابع الفردي”، على عكس ما هو عليه في السعودية حيث يتسّم بالروح الجماعيّة، فيتزاوَر الناس مع أهلهم وجيرانهم ويخرجون معا إلى الأماكن العامة. وهنا لابد من الالتفات أن المغترب يحتفل بعيد الفطر هنا في بلد غالبية سكانه غير مسلمين، فيضطر- في أغلب الأحيان- إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي بساعات عمل عادية، على عكس المجتمعات العربية التي تأخذ عطلة رسمية في عيد الفطر.

إن العيد مرتبط في الذاكرة الوجدانية العربية بالكثير من الطقوس والأجواء ومظاهر الفرح التي يتعذّر توفّرها خارج نطاق العالم العربي. والجدير بالذكر أن هذه الطقوس والأجواء ليست مرتبطة بالدين بالضرورة كما أنها ليست حِكراً على المسلمين من العرب. فالكثير من المسيحيين العرب معتادون على الاحتفال بعيد الفِطر كما أن الكثير من المسلمين العرب يحتفلون بعيد الميلاد مع إخوتهم المسيحيين في البلدان العربية.

تسمع الكثير من المغتربين يقولون أن العيد بدون مأكولات وحلويات العيد ليس عيدا، في حين أنهم في الحقيقة يحنّون إلى ما تمثّله تلك المأكولات وما ترتبط به في ذاكرتهم العاطفية! فيمكنك أن تأكل كعك العيد في لندن أو غيرها دون أن تستطيع استرداد ذاكرة الكعك في مخيلتك! يمكنك أن تأخذ عيديّة هنا، لكنك لا تستطيع استعادة رائحة الأوراق النقدية الجديدة ولا احتضان حذائك الجديد كما كنتَ تفعل في طفولتك!

إن العيد هو تذكير للمغتربين بأنهم ما غادروا بلدانهم يوما وأنهم سيظلّون محبوسين في ذاكرتهم مهما حاولوا التملّص منها أو التحايل عليها! ولا أدق من تعبير الشاعر اليوناني كفافيس حينما قال:

“وتقول لنفسك: سوف أرحل

إلى بلاد أخرى.إلى بحار أخرى.

إلى مدينة أجمل من مدينتي هذه

من كل جمالٍ في الماضي عرفته…

لا أرض جديدة، يا صديقي هناك

ولا بحر جديد: فالمدينة ستتبعك

وفي الشوارع نفسها سوف تهيم إلى الأبد

وضواحي الروح نفسها ستنزلق

من الشباب إلى الشيخوخة

وفي البيت نفسه

سوف تشيخ وتموت!..”

 

 نُشِر في مجلة المجلة العدد 1621 يوليو (تموز) 2016، ص. 66.

  • حوار مع الشاعر وديع سعادة في برنامج بيت القصيد على قناة الميادين بتاريخ ١٦ سبتمبر/أيلول ٢٠١٤:

http://www.almayadeen.net/programs/episode/5477/%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%B9-%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9—%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A

  • حوار مع إبراهيم الكوني في برنامج عالم الكتب على راديو بي بي سي العربية بتاريخ ٢٣ مايو/أيار ٢٠١٥:

http://www.bbc.com/arabic/multimedia/2015/05/150522_books_world_promo

 


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s