كامبريدج في انعكاس الماء: مدينة الدراجات الشاعريّة.. 


كامبريدج: الجامعة التي أصبحت مدينة..

لندن- هبة البيتي 

حالما تنزل من الحافلة التي تأخذك إلى قلب مدينة كامبريدج، تجد أحضان الطبيعة البِكر تستقبلك ابتداءا بالحشائش الخضراء الممتدة إلى آخر النظر وانتهاءا بالأفق الذي يتداخل فيه الغيم بألوان الشجر والسماء. تسأل سائق الحافلة عن مكان الجامعة، مُفترضا أنه يعلم أنك تقصد جامعة كامبريدج، فيردّ ضاحكا: أي جامعة؟ مشيرا أن الجامعة بكل كلياتها موزّعة على كل أنحاء المدينة الصغيرة الكبيرة!

وهنا تبدأ رحلتك في اكتشاف هوية المدينة التي وإن كنتَ تعرف اسمها إلا أنك توقن أن لها وجوه عديدة مخفيّة عن كل العابرين بها. ولن يهمك أن تعرف إن كان وجه من وجوهها يعبّر عن هويتها أكثر من غيره. وإن كنتَ ستتفحّص تاريخها المتجسّد في تخطيطها العمراني ومعالمها الأثرية، إلا أنك ستُفتَن أكثر بأسرار أزقتها الصغيرة والقصص التي تجوب أنحائها لكن أحدا لم يتجرأ على سردها عنها. قد تتكشّف لك هوية المدينة في طبيعتها وحدائقها الرحيبة، وقد تتجلّى في أسواقها الشعبية ومنتجاتها التقليدية، وقد تتمثّل أمامك في فنونها الشعبية وآدابها الكلاسيكية. لكن الهوية الحقيقية للمدينة تتجسّد في الصورة التي تبقى في ذاكرتنا عنها.

إن الصورة الأجمل لمدينة كامبريدج هي في دراجاتها الهوائية ذات السلال الشاعريّة، التي تُعيدك إلى أفلام الريف البريطاني القديمة. وقد تعتقد لوهلة أن تلك الدراجات هي وسيلة مواصلات للطلاب فقط، لأنها قد تُسهّل لهم التنقّل بين مباني الكليات دون أن تكلفهم الكثير من المال أو الوقت. لكنك ستتفأجأ حينما ترى المدرسيِن وأصحاب الأعمال يقودون دراجاتهم وهم بكامل أناقتهم! كما أنك سترى الدراجات تمشي على نفس خطوط سير السيارات دون إعطاء أي أفضلية لسائقي السيارات. ولا أجمل من رؤية الدراجات الهوائية تقطن خلفية المباني التاريخية المهيبة، وكأنها تتكىء على التاريخ بلا اكتراث طفوليّ!

إن تفرّد أي مدينة لا ينبع فقط من طبيعتها الجغرافية أو من سلوك سكانها أو الأعمال أو الصناعات الدائرة بها، بل إنه يتشكّل من نظرة سكانها لها ومدى اعتزازهم بتاريخها ووفائهم لذلك الإرث الذي يحملون مسؤوليته. فليس هناك مدينة بلا تاريخ، لكن هناك مدن لا يعرف أهلها تاريخها، ومدن أخرى يعرف أهلها تاريخها جيدا ويهتمون بتعريف العالم به. لذا فإن كل مدينة هي استثنائية بشكل أو بآخر، واستثنائيتها لا يُمكن أن تُعرَف أو تُوثّق إلا بخبرة أهلها بها ومعرفتهم بتاريخها وحفاظهم عليه. والزائر لمدينة كامبريدج يلمس في سكانها شعورهم بأنهم جزء من تاريخ، وإن كانوا لا يفكّون جميع شفراته إلا أنهم يوقنون بأهميته ويجتمعون على مهمة مقدّسة، وهي الحفاظ عليه أولا، ثم تدريسه للعالم ثانيا. وربما عراقة المدينة في حد ذاتها جعلت سكانها على قدر كبير من المسؤولية المجتمعية، فصار فضول التعلم وهَمّ التعليم جزءا لا يتجزأ من شخصية وعقلية ساكينها.

وعند الحديث عن التعلم والتعليم لابد من التعريج على الارتباط الشرطي بين مدينة كامبريدج وجامعة كامبريدج. فقد ارتبط اسم مدينة كامبريدج بجامعة كامبريدج لدرجة أن الغالبية باتت تعتقد أن مدينة كامبريدج ليست سوى حرم جامعي يفترشه الطلاب بكتبهم وحقائبهم الأكاديمية وتسمع من مكتبته تثاؤب الكتب وتشمّ في أنحائه رائحة الضجر. لكن زيارة قصيرة لمدينة كامبريدج كفيلة بتغيير هذه الصورة النمطية والنظرة المبسّطة للمدينة. لكن هذا الارتباط الشرطي بين مدينة كامبريدج وجامعة كامبريدج له ما يُبررّه، بل وما يجعله منطقيا، إذا ما علمنا أن جامعة كامبريدج هي ثاني أعرق جامعة تعتمد الإنجليزية كلغة تعليم بعد جامعة أكسفورد. كما أنها واحدة من أفضل خمس جامعات في العالم، فقد احتلت المركز الأول في الترتيب العالمي حسب تصنيف QS لعام ٢٠١٠، لتتجاوز بذلك جامعة هارفرد الأمريكية لأول مرة منذ ٧ سنوات. هذا عدا كونها الجامعة الأعرق على مستوى العالم في مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء. ناهيك عن أنها حصلت على ٨٩ جائزة نوبل وهو الرقم الأعلى على مستوى كل جامعات العالم.

ولا شك أن للتجول في شوارع مدينة مشى فيها كثير من الرجال الذين صنعوا التاريخ، سواء كانوا من العلماء أمثال إسحاق نيوتن (نظرية الجاذبية) وتشارلز داروين (نظرية التطور) وجوزيف طومسون (مكتشف الإلكترون)، والفلاسفة أمثال بيرتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين، والأدباء أمثال جون ميلتون واللورد بايرون، جماليّة بديعة. ففي كل زاوية قصص مخبوءة تنتظر الكشف عنها والتحاور مع أسرارها الساكنة في الصمت.

ومن هذه الأسرار سر تأسيس مدينة كامبريدج نفسها، والذي يرجع إلى القرن الثالث عشر، حيث تأسست عام ١٢٠٩، حينما قررت مجموعة من العلماء كانوا على خلاف مع سكان مدينة أوكسفورد مغادرتها والبحث عن مكان هادئ ومناسب للدراسة، فوقع اختيارهم على تلك البقعة من الأرض لتكون من أكثر المدن الجامعية شهرة. وهكذا كان ذلك الخلاف بين سكان أكسفورد وأولئك العلماء من أجمل الصُدَف التي وُلدت على يديها مدينة تقدّس العلم وتحترم التاريخ بقدر ما تحتفي بالحياة وتجذب التجار وتستقطب الأعمال.

ومدينة كامبريدج هي عاصمة لمقاطعة كامبريدجشاير في شرق إنجلترا، يشقّها نهر كام الذي يستمتع الكثيرون بركوب الجناديل التقليدية فيه. كما أن الطابع الكرنفالي للمدينة يتجسّد في إقامتها لبعض المهرجانات السنوية كمهرجان كامبريدج السنوي للجُعة الذي يُقام في حديقة (جيساس جرين Jesus Green)، ومهرجان ستروبيري للموسيقى والفنون ومعرض منتصف الصيف أو (ميدسمرMidsummer) المقامان في منطقة (ميدسمر كومون Midsummer Common).

ولأنها مدينة تختزل أكثر من شخصية في شخصية واحدة، فإنك حين تمشي في شارعها الرئيسي وترى المحلات التجارية، والمطاعم بكافة أنواعها (من مطاعم المأكولات السريعة إلى المطاعم الفخمة والمأكولات الشرقية)، ومحلات بيع الشوكولاتة التي ترقص في مكانها حياةً من فرط تردد الناس عليها، لتوقن بأن ثقافة الحياة تمشي بالتوازي مع ثقافة المعرفة في هذه المدينة. وسرعان ما تتعثّر في نفس الشارع بإعلانات لوظائف شاغرة للطلاب لتتذكّر مجددا أنك في مدينة طلابها هم عماد بنيانها ومحفّز وجودها. وقد تتفاجأ بعروض صالونات الحلاقة المتناثرة على امتداد الشارع، التي تقدّم للزبائن خدمات القص وتجفيف الشعر مقابل عشر جنيهات إستريلنية فقط، وهو سعر من المستحيل الحصول عليه في العاصمة لندن.

وعلى الرغم أن كامبريدج تبعد أقل من ساعة من محطة (كينجز كروس King’s Cross) بلندن، إلا أن سكانها يبدون أكثر هدوءا وبهجة بعيدا عن توتر المدينة وزحامها وشحناتها السلبية. ومع أن ٢٠٪‏ من سكان المدينة هم من الطلاب إلا أنك ستتفاجأ برؤية الآباء والأمهات يدفعون أبنائهم في عربات الأطفال. فرؤية العائلات بأحجامها المختلفة هو مشهد مألوف إلى درجة الغرابة، خاصة بالمقارنة بالمدن التي يُشكّل العاملون النسبة الأكبر من سكانها.

وعلى الرغم من وجود العديد من الكنائس العتيقة في المدينة ككنيسة (كينجز كولج King’s College) وكنيسة السيدة العذراء والشهداء الإنجليز، وغيرها من الكنائس التي تأسست كجزء من عملية تحفيز وتعزيز طقوس الصلاة لمؤسسي جامعة كامبريدج إلا أنه يوجد في المدينة مسجد يسمى بمسجد أبي بكر بالإضافة إلى مركز لتدريب الأئمة المسلمين. وقد أسّسه البروفيسور تيموثي (أو تيم) وينتر المعروف باسم عبدالحكيم مراد، وهو باحث إسلامي بريطاني يدّرس في جامعة كامبريدج ويقوم بإدارة المركز حاليا.

ربما مدينة كامبريدج لم تكن لتُوجَد لولا وجود جامعة كامبريدج. وإن كانت كامبريدج- الجامعة- هي السبب الرئيسي في وجود كامبريدج-المدينة، لكن المدينة وصلت سن النضج وتحررّت من أغلال البحث والأكاديميا، واستطاعت أن تؤثث لنفسها شخصية حياتية متعددّة الوجوه لا ترتكز على وجه واحد فقط، بل تُقدّم جميع وجوهها لسكانها وزوارها بالتناوب. لكننا نظل حائرين إن كانت كامبريدج جامعة اختارت أن تحتل مدينة أم أنها مدينة قررت احتضان جامعة!

نشر في عدد مجلة المجلة رقم   ١٦٢٢ أغسطس (آب) ٢٠١٦ صفحة ٨٦-٨٧. يمكنكم الإطلاع على العدد كاملا على الرابط التالي: 

https://issuu.com/majalla/docs/majalla-issue-1622-arabic/126

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s