(بركة يقابل بركة): صرخة لكسر العزلة السعودية وتأكيد على إمكانية اللقاء المستحيل ب’الآخر’


barakah-meets-baraka-still-bench

(بركة يقابل بركة): احتفاء بالذاكرة الحجازية وتمرد على “الصورة الاجتماعية” في رحلة بحث عن ‘الفضاء العام’

هبة البيتي

في صالة مملوءة عن آخرها يفيض منها الفضول والتحفز لمعرفة شذرات عن حياة مجتمع لا يعرف العالم عنه إلا اسمه في نشرات الأخبار وصور منتقاة له في الصحف وعلى التلفاز أحيانا، ومُسرَّبة له على مواقع التواصل الاجتماعي أحيانا أخرى، عُرض الفيلم السعودي (بركة يقابل بركة) ضمن فعاليات مهرجان لندن السينمائي في أكتوبر لعام ٢٠١٦. وقد أحدث الفيلم ضجة في الأوساط الفنية المحلية والعالمية كونه الفيلم السعودي الثاني الذي يُمثّل السعودية في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم أجنبي (بعد تمثيل فيلم “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور للسعودية عام ٢٠١٣)، ولاختلاف الصورة التي يقدّمها عن المجتمع السعودي عن الصورة النمطية التي تنسجها الماكينات الإعلامية لخدمة أجنداتها المختلفة. ومهرجان لندن هو واحد فقط من إحدى المهرجانات السينمائية العالمية التي وصل إليها الفيلم، من ضمنها مهرجان برلين وتورنتو وبومباي ودي جانيرو وغيرها.

وفي حلقة النقاش التي أقيمت بعد العرض الأول للفيلم في العاصمة البريطانية، أكدّ فريق العمل بقيادة مؤلف ومخرج الفيلم محمود صباغ أن ما قدّموه هو قراءة واحدة وقصة ضمن قصص عديدة يمكن أن تُحكَى عن واقع شخصيات من المجتمع السعودي. وهم بذلك ينهون جدليّة التمثيل، وهي الدائرة التي يُوضَع فيها أي عمل يخرج من السعودية قبل أن يُحكَم عليه بتبسيط ساذج أنه ‘لا يُمثّل السعودية’! كما أنها تؤكّد على التنوّع الإثني والعِرقي الذي يشكّل النسيج الاجتماعي السعودي ويرفد الاندماج الثقافي بالرغم من اختلاف الموروث الشعبي لكل منطقة من مناطق المملكة.

تدور أحداث الفيلم في مدينة جدة، التي يحاول صباغ الاحتفاء بما تبقى من ذاكرتها التاريخية وتراثها الشعبي عبر تصوير حياة شاب لازال يعيش في أحد حاراتها القديمة. (بركة) الشاب البسيط يعمل مراقبا في البلدية ولديه شغف غريب بالمسرح يمارسه خفية بعد انتهاء دوامه الرسمي مع فرقة مسرحية تابعة لنادي الفنون الذي لا يزوره أحد! وأثناء تأدية عمله، يرى عارضة الأزياء (بيبي)، أثناء عرضها مجموعة أزياء جديدة للبوتيك الذي تعمل به خلال جلسة تصوير على كورنيش جدة. المثير أنهما يلتقيا وكل منهما يلعب دوره الاجتماعي كما هو مرسوم له دون اختيار ولا حتى اعتراض؛ فهي تلعب دورها كعارضة أزياء كما قررتْ لها صاحبة البوتيك وأمها (بالتبنيّ) أمام المجتمع، وهو يلعب دوره كمراقب في البلدية مهمته التأكد من وجود وسريان الرخص الرسمية. لكن كل منهما يُشعِل فتيل التمرد -على الصورة الاجتماعية المفصَّلة له- في نفس الآخر؛ فهي تتحدى إرادة (ميادة) وتشقّ لنفسها طريقا كواحدة من مشاهير التواصل الاجتماعي (social media celebrity)، وهو يتحدى إرادة وسطه البسيط الذي يحاول أن يزوّجه بطريقة تقليدية ويُقرّر الارتباط بها، بالرغم من انفتاحها وتمرّدها على التقاليد.

وينشأ الحب بينهما لقدرة (بركة) على رؤية ما وراء القناع الذي تلبسه (بيبي) أمام العالم، ولقدرتها على رؤية وتقدير قدرته على رؤيتها، بالرغم من الهالة التي تحيط بها. ومن فكرة ذلك اللقاء الممكن المستحيل يتكشّف داء الازدواجية -في المعايير القيميّة والسلوكية على السواء، الذي ينخر جسد المجتمع السعودي، فلا يُعاقَب فيه المُخطىء على خطئه إلا إذا ارتكبه على الملأ، فترتبط معايير الصواب والخطأ بوجود الناس وغيابهم! بذكاء وخفة يعرض صباغ الكثير من الإشكاليات الثقافية والأمراض الاجتماعية متجليّة في الانطباع والفهم العام للعلاقات العاطفية خارج نطاق الشكل التقليدي المتمثّل في الغطاء الشرعي والقبول الاجتماعي. كما أنه يُسلّط الضوء على كارثة غياب الفضاء العام أو(public space)، التي تجعل ممارسة أبسط المتع البريئة نوعا من اختلاس الفاكهة المُحرّمة بالنسبة للشباب السعودي.

وحين تنقلب الآية ويصبح ما هو غير طبيعي طبيعيا، وما هو طبيعي يغدو محرّما، يصير لقاء (بركة) و(بيبي)- بالرغم من سهولته الظاهرة- ضربا من المستحيل. ولأنهما لا يرضخان بسهولة للقيود الاجتماعية، فإنهما يحاولان أن يخلقا لنفسيهما جوا صحيا للتعارف بعيدا عن الضغوطات الاجتماعية التي يفرضها الارتباط الرسمي. ويرسمان سيناريوهات متعددة للتلاقي في مكان أقرب إلى العام، وبشكل طبيعي لا يبعث الريبة، لكن كل محاولاتهما تبوء بالفشل، فيرضيان أخيرا بمشاوير صغيرة يأخذها فيها بسيارته/ سيارة البلدية. وبالرغم من رفضهما الأول لمبدأ زواج الصالونات التقليدي إلا أنهما يجدان نفسيهما مضطران لأن يجنحا إليه، لكي يوفّرا على نفسيهما الكثير من الصراعات الاجتماعية، هذا عدا احتمال ملاحقتهما من قبل الهيئة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وهذا هو المصير الطبيعي لكل مَن تُسوّل له نفسه المشي عكس التيار والتجرؤ على الخروج على القطيع وإظهار أي نوع من التفرّد أو الرغبة في الاستقلال والتحرر من السائد. فالشجاعة التي يتطلّبها الاختلاف واختيار الكينونة المنسلخة عن عالم ‘المسوخ البشرية’ تستدعي عقاب مَن يتسّم بها، فالعقاب في أحيان كثيرة لا يكون إلا لِمَن كان قادرا على كسر القيود التي لا يستطيع كسرها الأغلبية!

لا يهم كيف انتهى (بركة) و(بيبي)، الذي نعلم في وقت لاحق أنه اسم الشهرة فقط، أما اسمها الحقيقي فهو (بركة) أيضا! لهذا تجد نفسها في مواجهة مع رفضها للاسم الذي هو جزء من رفضها لواقع يسلبها إرادة اختيار أي شيء جوهري في حياتها! لا يهم إلى أي مدى يصل (بركة) و(بركة) في عملية الشد والجذب ما بين المنظومتيْن الفكريتيْن؛ التقليدية والنقدية. لا يهم إن كان أسلوب الحياة الذي اختاره الجيل القديم يلائم الفطرة السليمة أم لا، بل المهم أنهم اختاروا ذلك الأسلوب وناضلوا من أجل خياراتهم. وهذا ما نشعر به من خلال الفيلم، فصباغ ليس متحيزا لجيل على حساب آخر، فهو يحتفي بالخصوصية الحجازية سواء على مستوى اللهجة والتعبيرات أو على مستوى الذاكرتَيْن المكانية والوجدانية بنَفَس نستولوجيّ واضح حتى في ألوان الصورة. مع ذلك فهو متعاطف مع الشباب الذي يترجِم معاناتهم بسبب نشأتهم في جو أكثر تشدّدا وانغلاقا من ذلك الذي نشأ فيه أجدادهم في مرحلة ‘ما قبل الصحوة’.

نجد المُباشَرة تغلب على أسلوب الطرح في كثير من الأحيان، كما أن الجانب البحثي الوثائقي يلحّ على صباغ- فهو معروف بأبحاثه المتميزة في تاريخ الحجاز وشغفه بالمخطوطات بشكل خاص مدفوعا برغبة صادقة في توثيق تاريخ المنطقة. الشيء الذي يُفسِد أحيانا اللحظة الدرامية بسبب فقدان التوازن المطلوب بين ‘التاريخيّ’ و’الدراميّ’. مع ذلك، ينجح صباغ في تجسيد شخصيات حجازية شعبية تشعر أنك تعرفها جيدا، لأنها ببساطة من لحم ودم! هذا عدا عن تصويره الرشيق للتفاوت الطبقي بين الطبقة المخمليّة الجداويّة والطبقة المتوسطة التي لازالت تسكن الحارات الشعبية الأقرب إلى العشوائية. بالرغم من كل شيء، فإنه يُصوّر لنا مدينة جدة تصوير عاشق لحبيبته يرى ما يراه الآخرون عيوبا مفاتنا، فيذكّرنا بلؤلؤة البحر الأحمر التي تغنّى بتَلألئها على سطح القمر محمد صادق دياب وغيرهم!

وفي حين أن الكثير من النقاد تحدثوا عن مفارقة أن الفيلم الذي يتعرّض لغياب ‘الفضاء العام’ يعاني من نفس الشيء، لأنه لا يمكن عرضه في البلد المنتج له بسبب غياب ‘الفضاء العام’ ذاته، إلا أن صبّاغ يُدرك أن الأعمال الفنية لا تنتظر خلق ‘الفضاء العام’، إنما تشقّ لنفسها نفقا لكي تصل إلى مدى تتنفس فيه! وكما يقول أدونيس أن الشاعر لا ‘يُعبّىء’ الفراغ، بل هو ‘يُوسّعه’، فإن الفنان كذلك لا يُجيب على الأسئلة ولا يحلّ المشكلات، لأن الفن الذي ينتهج الوعظية ويزعم الإصلاح يفقد قيمته الحقيقية التي تتمثّل في إثارة الأسئلة. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه صباغ الآن؛ هو تجاوز نجاحه في جذب المشاهدين للتلصص على دهاليز المجتمع السعودي الملتحف بغموضه، وترسيخ دعائم رؤيته الفنية بحيث يمكن تقييم أعماله القادمة وفقا لمعايير الجودة العالمية، مُنسياً الجميع أنها قادمة من السعودية؛ البلد الخالية من صالات السينما!

بقي أن نُشير إلى أن العمل وإن كان يبدو أنه لا يحمل أي رسالة سياسية إلا أن غياب البعد السياسي فيه هو رسالة سياسية في حد ذاتها. فصباغ يقول أننا- وبالرغم من محاولات عزلنا وتنميط صورتنا ووضعها في قوالب ساذجة- لازلنا هنا ولدينا وجوه وأصوات كثيرة ومختلفة، وأننا بالرغم من الاستحالة الظاهرة للقاء ‘الآخر’- بكل صوره- ومع كل محاولات التضييق إلا أننا قادرون على لقائه، لأننا نؤمن بالحياة وقبلها بالإنسانية!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s